تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وكذلك الذّكر في السّجود : « سبحان ربّي الأعلى وبحمده » ؛ أي : أسبّح ربّي بحمده . ولعلّ الوجه في ذلك أنّ الثناء إمّا على كمال وجوديّ واجب بذاته ، أو على أفعال محكمة متقنة . ولازم ذلك الثناء والحمد أن يكون المحمود منزّها عن كلّ عيب وآفة وعلّة ، فلا محالة يحصل التسبيح والتقديس بالحمد . وبعبارة أخرى : الثناء على كمال الذّات وتماميّتها وفعليّتها في شدّة غير متناهية ، وعلى حسن الفعل وإتقانه ، تنزيه وتقديس للذّات والفعل . ولا يبعد أن يكون متعلّق الحمد تنزيهه تعالى بتنزيه أفعاله ؛ مثل أن تقول : الحمد للّه الّذي لا يظلم ولا يعبث ولا يلغو ؛ وهكذا . فسبحانه من إله ما أحمده . فالحمد محبوب ومطلوب من الكلّ وهو تمجيد وتقديس . والحميد والمحمود من جملة أسمائه الحسنى وقد أمرنا أن ندعوه بها . فالحميد حيث إنّه ذكر للذّات الجميلة الحميدة لجمالها وجمال صفاتها وأفعالها فنحمده تعالى وندعوه سبحانه بهذا الاسم بإيقاعه عليه تعالى من غير فرق بين الذّات والصفات والأفعال ، فإنّ الجميع يرجع إلى قدس ذاته سبحانه ، وهو عبادة حسنة بالذّات ولو لم يحمد العباد ربّهم واستكبروا واستنكفوا عنه لكانوا بذلك خارجين عن حدّ الإنسانيّة داخلين في حدّ البهيميّة . قال في الصحيفة السجاديّة في دعائه عليه السّلام في التحميد : والحمد للّه الّذي لو حبس عن عباده معرفة حمده على ما أبلاهم من مننه المتتابعة ، وأسبغ عليهم من نعمه المتظاهرة لتصرّفوا في مننه فلم يحمدوه ، وتوسّعوا في رزقه فلم يشكروه ، ولو كانوا كذلك لخرجوا من حدود الإنسانيّة إلى حدّ البهيميّة فكانوا كما وصف في محكم كتابه :
« إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا » .
[ الفرقان ( 25 ) / 44 ] والظاهر أنّ الحمد والشكر متباينان مفهوما ومصداقا . لأنّ الحمد يقابل اللّوم ؛ والشكر يقابل الكفران . فإنّ الحمد على حسن فعل النعمة ووقوعها من أهلها في محلّها فلا قبح ولا عبث ولا لغو فيه ، والشكر هو الاعتراف بالنعمة والخضوع لها ولأجلها . وأيضا الشكر إنّما يكون على النعمة فقطّ ؛ والحمد على النعمة والبليّة والمصيبة ، لما فيها من الحكمة والمصلحة . والوجه في ذلك أنّ الحمد هو الثناء من حيث حسن الأمر المحمود ، سواء كان له أو عليه .