تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
ذاتيّا أو وصفيّا أو فعليّا . فلا محصّل لهذا القيد . قال السيّد ( قده ) في رياض السالكين / 33 في شرح دعائه عليه السّلام في التحميد : الحمد هو الثناء على ذي علم بكماله ؛ ذاتيّا كان ، كوجوب الوجود والاتّصال بالكمالات والتنزّه عن النقائص ؛ أو وصفيّا ككون صفاته كاملة واجبة ؛ أو فعليّا ، ككون أفعاله مشتملة على حكمة . إذا تقرّر ذلك فنقول : قوله تعالى :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ »
حمد منه تعالى لنفسه القدّوس . ضرورة أنّ الآية الكريمة كلامه تعالى ومقول له سبحانه فهو متكلّم به قبل كلّ أحد . وحامد لنفسه قبل الحامدين ، فكما أنّه تعالى محمود بآلائه ونعمائه في لسان الموحّدين فكذلك حميد بذاته في ذاته وكذا في أفعاله في نفس الأمر وبحسب الواقع . والحمد منه تعالى لنفسه ليس على حدّ حمد الحامدين له تعالى على آلائه ونعمائه ، بل لأنّه حميد في ذاته وصفاته وأفعاله لعدم إمكان نقص وخلل وشين في ذاته وصفاته ، ولعدم فتور ولغو وقبيح في أفعاله . وهو تعالى واجد لهذا الكمال لذاته بذاته فهو تعالى حميد بذاته لذاته أزلا وأبدا ، وحميد في أفعاله لكونها في نهاية الجودة والإتقان والإحكام بحيث تتحيّر فيها العقول والأفهام . فمرجع حمده تعالى لذاته ، هو الثناء على نفسه وصفاته وأفعاله بالتنزّه والعلوّ والارتفاع ، وواجديّته تعالى لكلّ كمال وجلال وجمال . وقد وردت هذه الجملة المباركة في القرآن الكريم في موارد كثيرة في مقامات مقتضية لحمده تعالى لنفسه . في تفسير القمّي 1 / 200 ، عن أبيه مسندا عن فضيل بن عياض ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : سألته عن الورع ، فقال : الّذي يتورّع عن محارم اللّه ويجتنب الشّبهات . وإذا لم يتّق الشبهات ، وقع في الحرام وهو لا يعرفه . وإذا رأى المنكر ولم ينكره وهو يقدر عليه ، فقد أحبّ أن يعصى اللّه اختيارا . ومن أحبّ أن يعصى اللّه ، فقد بارز اللّه بالعداوة . ومن أحبّ بقاء الظّالمين ، فقد أحبّ أن يعصى اللّه . إنّ اللّه تبارك وتعالى حمد نفسه على هلاك الظّالمين . قال :
« فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
[ الأنعام ( 6 ) / 45 ]