تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
والرحيم . وقد تقرّر في محلّه أنّه لا يجوز تفسير اسم من أسمائه تعالى باسمه الآخر ؛ لاستلزامه الخلل في تعداد أسمائه تعالى . فإنّه سبحانه عطوف ورحمن ورحيم . والسرّ في ذلك أنّ أسماءه تعالى ، وإن كانت بحسب المصداق واحدة بالحقيقة ، إلّا أنّها بحسب النعوت المأخوذة في كلّ واحد منها متباينة . فتمجيده تعالى بأنه عطوف ، ليس عين تمجيده سبحانه بأنّه رحمن ورحيم ؛ وبالعكس . وكذا لا يجوز تفسير الرّبّ بالمدبّر وبالعكس . وهكذا في جميع أسمائه سبحانه . فعليه لا محصّل لما ذكر من أنّ الرّحمن والرحيم بمعنى الحنوّ والعطف ، فإنّ اللّحاظ المأخوذ في كلّ واحد منهما غير اللّحاظ المأخوذ في الآخر . وقد تبيّن ممّا تقدّم من الشّواهد القطعيّة والأدلّة الواضحة ، أنّ أسماءه تعالى موضوعة بالوضع الشخصيّ في كلّ واحد واحد من أسمائه بلحاظ نعت من نعوته ، والوضع هو اللّه جلّ ثناؤه . قال في البيان / 301 : ثمّ إنّه قد ورد في بعض الرّوايات أنّ « الرّحمن » اسم خاصّ ومعناه عامّ . وأمّا لفظ « الرّحيم » فهو اسم عامّ ومعناه خاصّ مختصّ بالآخرة أو بالمؤمنين ، إلّا أنّه لا مناص من تأويل هذه الرّوايات أو طرحها ، لمخالفتها الكتاب العزيز . فإنّه قد استعمل فيه لفظ « الرّحيم » من غير اختصاص بالمؤمنين أو بالآخرة . ففي الكتاب العزيز :
« فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .
[ إبراهيم ( 14 ) / 36 ]
« نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » .
[ الحجر ( 15 ) / 49 ] و
« إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ » .
[ الحجّ ( 22 ) / 65 ]
« رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً » .
[ الإسراء ( 17 ) / 66 ] . . . أقول : هذه الآيات الّتي استشهد ( قده ) بها على إطلاق لفظ الرحيم ، غير ناهضة لإثبات ما هو بصدده . فإنّ لفظ الرّحيم واقع في أكثرها بعد لفظ الغفور والرّؤوف . وواضح أنّ ظاهر السياق يفيد أنّ متعلّق الرّحمة بعينه متعلّق المغفرة والرّأفة . وليس الكافر مورد مغفرته ورأفته أصلا . فتكون رحمته تعالى للمؤمنين خاصّة . وأمّا الآية الثالثة ؛ ففيها أوّلا أنّ لفظ الرّحيم فيها أيضا واقع بعد لفظ الرؤوف . وثانيا : إن كان المراد منها هي الآية 143 من سورة البقرة ، فصدر الآية
« وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ