2 - إنّ عطاءه تعالى ورحمته في غير المقرّبين والمؤمنين ، ليس بلحاظ الإكرام والإجلال والتشريف ، بل من باب الحكمة القيّمة في كل مورد ومورد . فإبقاء هذا الكيان وإدامة هذا النظام الّذي يتمتّع به الجبابرة والفراعنة ويتلذّذون فيه بأنواع النعم ، ليس لإكرامه تعالى لهم ، بل هذه رحمة وعطاء منه جلّ اسمه عمّت وشملت كلّ النّاس ووسعت كلّ شيء ، ومائدة عامّة وسيعة قد اجتمع عليها البرّ والفاجر ، والمؤمن والكافر ، والعدوّ والصّديق . ويدخل فيه إفضاله تعالى على أعدائه بالإمهال والإملاء والخذلان والاستدراج . قال تعالى :
« وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 178 ]
« وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ » .
[ يونس ( 10 ) / 88 ]
« وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ » .
[ الأعراف ( 7 ) / 182 و 183 ]
3 - عطاؤه للمؤمنين والمقرّبين ، إنّما هو على ملاك الإكرام والإجلال والتشريف . وهذه هي الرّحمة الخاصّة والعطيّة الكريمة ولا تزال تزيد ولا تبيد أبد الآبدين . وهذه المواهب الجليلة الجميلة من العلوم والمعارف والكمالات والتوفيق والتسديد والخيرات ، وغيرها ممّا لا تعدّ ولا تحصى في الدّنيا وتتّصل بنعيم الآخرة والجنان الزاهرة وبما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، هي آمال المقرّبين وقرّة عين المتّقين . ورضوان من اللّه خير . رضي اللّه عنهم ورضوا عنه . فهذا التقسيم أمر واقعيّ جدّا وحقيقة قرآنيّة متأصّلة وليس أمرا اعتباريّا وهميّا . هذا بحسب الثبوت والواقع . وربّنا جلّ مجده واجد لكلا الوصفين ولا بدّ أن يحمد ويمجّد على كلا العطاءين . ومرجع هذا إلى ملاك العطاء في كلا الموردين .
4 - وردت عدّة من النصوص الصّريحة في أنّ عطاءه تعالى لجميع ما سواه من باب الحكمة ويندرج فيه السخط والإملاء . ويسمّى اللّه تعالى من هذا الحيث بالاسم الكريم « الرحمن » ؛ ومن حيث عطاؤه الخاصّ بأوليائه وأهل طاعته يسمّى ب « الرحيم » . ومرجع هذه التسمية تمجيده تعالى بكلتا صفتي الجلال والجمال تعبّدا