أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ
« 1 » مع أنّ زمان صدور الآية لم يكن كذلك إلّا بتأويل .
وثانيا : لو سلّم بأنّ موردها نفى تعذيب الأمم السالفة ، لكن يفهم منها - ولو بمناسبة الحكم والموضوع ، وكيفيّة التعبير - أنّ التعذيب قبل البيان مناف لمقامه الشامخ ، وهو منّة ثابتة وسنّة جارية إلى نفخ الصّور ، فهل ترى أنّه - تعالى - رفع العقوبة الدنيويّة - من مثل تسليط الوزغة في أيّام معدودة محدودة - منّة على عباده ، ثمّ أخبر بأنّ ذلك أي هذه التعذيبات اليسيرة منافية لمقام رحمته وإفضاله ، ثمّ عذّب العباد قبل البيان بالنار التي تطّلع على الأفئدة وبأنواع العقوبات العجيبة الخالدة الأخروية ؟ !
وبالجملة : يفهم من الآية - ولو بإلقاء الخصوصيّة ومئونة مناسبة الحكم والموضوع - أنّ التعذيب قبل البيان لم يقع ، ولا يقع أبدأ .
وعلى الإشكال الثاني :
أنّ توقّف الاستدلال بها على ما ذكر - وكون النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقوبة لا فعليّتها - غير مسلّم ، فإنّ نزاع الاصولىّ والاخبارىّ إنّما هو في لزوم الاحتياط في الشبهات وعدمه ، وبعد ثبوت المؤمّن من قبل اللّه لا نرى بأسا في ارتكابها ، فشرب التتن المشتبه حرمته إذا كان ارتكابه ممّا لا عقاب فيه - ولو بمؤمّن شرعىّ وترخيص إلهىّ - ليس في ارتكابه محذور عند العقل .
وبالجملة : رفع العقوبة الفعليّة وحصول المؤمّن من عذاب اللّه يكفى القائل بالبراءة في تجويز ارتكاب الشبهات وإن لم يثبت بها الإباحة ، ولذا ترى يستدلّون بحديث الرفع وأمثاله للبراءة ولو مع تسليم كون مفاده رفع المؤاخذة .
وبما ذكرنا من تقريب الاستدلال يظهر : أنّه لا وقع لما زعمه الاخباريّون من
هامش
( 1 ) . الإسراء / 13 .