ومن هذا التركيب والبيان : إمّا أن يفهم عرفا أنّ التعذيب قبل البيان مناف لمقام عدله ، ويكون أمرا قبيحا مستنكرا منه - تعالى - كما لا يبعد ، وإمّا أن يفهم أنّه مناف لمقام رحمته ولطفه بالعباد .
فعلى الاوّل : يفهم منه عدم الاستحقاق أيضا ؛ فإنّه مع الاستحقاق لا يكون التعذيب منكرا منافيا لعدله - تعالى - وحينئذ يكون الاستدلال بها للبراءة ممّا لا إشكال فيه .
وعلى الثاني : لا يفهم منه إلّا رفع فعليّة العقاب ، وهو لا ينافي الاستحقاق .
فاورد على الاستدلال بها :
تارة : بأنّها مربوطة بنفي تعذيب الأمم السالفة قبل بعث الرسل فهي أجنبيّة عمّا نحن فيه .
وأخرى : بأنّ الاستدلال بها لما نحن فيه متقوّم بكونها في مقام نفى الاستحقاق ، لا نفى الفعليّة ؛ لانّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب المشتبه وعدمه ، لا في فعليّة لعقاب .
هذا ، ويرد على الإشكال الاوّل :
أوّلا : بمنع كونها مربوطة بالأمم السالفة ، بل الظاهر من الآيات المتقدّمة عليها أنّه عند الحساب يقال للإنسان الذي الزم طائره في عنقه :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
« 1 » وترى أن الجزاء على ميزان العدل ، من غير أن تزر وازرة وزر أخرى ، ومن غير أن يكون التعذيب بلا تماميّة التبليغ وإرسال الرسول وإيصال التكليف ، فلا دلالة فيها على كونها راجعة إلى الأمم . ولا دلالة لقوله : مما كنّا بصيغة الماضي على ذلك ، فإنّ النظر إلى يوم الحساب ، ويعتبر المضىّ بالنسبة إليه ، ولذا قال :
وَكُلَّ إِنسانٍ
هامش
( 1 ) . الاسراء / 14 .