تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آيات الاحكام في تراث الامام الخميني — صفحة 626

مساهمون:

ص٦٢٦
ولمّا كان في مقام تعظيم الكذب وتكبيره ، ولو بدعوى أنّ الكاذبين غير المؤمنين ، يفهم منه أنّه عظيمة كبيرة ، وإلّا لما صحّت الدعوى . وهنا احتمال آخر فيها ، وهو أنّها بصدد ردّ القائلين وإنشاء ذمّهم ، لا الإخبار بأمر واقعي حتّى يحتاج في تصحيحها إلى التأوّل والدعوى ، نظير ما نسب إلى زينب الكبرى - عليها السلام - في جواب عبيد اللّه - لعنه اللّه - حيث قال : الحمد للّه . . . قالت : « إنّما يفتضح الفاجر ، وهو غيرنا » . فإنّه ظاهر في إنشاء الذمّ ، لا الإخبار عن واقعة . ونظير قولك في ردّ من قال لك : أنت بخيل « إنّ البخيل من يأكل مال الناس » فإنّ ذلك ردّ قوله بإنشاء ذمّ بالجملة الخبرية ، لا الإخبار بأنّ آكل مال الناس بخيل . فيكون المقصود من قوله :
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
ردّ قولهم بإنشاء ذمّ لهم . وهنا احتمال ثالث ، وهو أنّ الآية بصدد ردّهم بجملة إخبارية ، وهي أنّ الذين يقولون بأنّك مفتر ، ويقولون يعلّمه بشر ، هم يفترون الكذب في انتساب الافتراء إليك ، وإنّهم الكاذبون . ولا يبعد أن يكون الاحتمال الثاني أقرب إلى الذوق في المقام . ثمّ إنّه لو سلّم رجحان الاحتمال الاوّل - ولو بضميمة الروايتين المتقدّمتين - يكون في دلالتها على حرمة الكذب مجال مناقشة ، لإمكان أن يكون المراد بدعوى قصر الكذب على غير المؤمن ونفى اتّصاف المؤمنين به ، هو أنّ الكذب لمّا كان صفة خبيثة دنيّة يناسب أراذل الناس ، والمؤمن شريف كامل لا يناسب صدوره منه ، فسلب الصفة عنه ليس لكونه معصية كبيرة ، بل لكونه صفة رديّة قبيحة قذرة لا تناسب مقام المؤمن . وعليه لا تدلّ على كونه محرّما ، نظير قوله : « المؤمن لا يخلف الوعد » ، وأنّه لفى شغل عن اللهو ، والمؤمنون عن اللغو معرضون . إلى غير ذلك .
آيات الاحكام في تراث الامام الخميني — صفحة 626 | عباس فيض نسب