وفي الآية جعل التحذّر علّة غائيّة للإنذار ، ولمّا كان الإنذار واجبا كان التحذّر واجبا .
الثاني : أنّ المراد من الجموع التي في الآية هي الجموع الاستغراقيّة ، لا المجموعيّة ؛ لوضوح أنّ المكلّف بالتفقّه هو كلّ فرد فرد من النافرين أو المتخلّفين على التفسيرين ، فالمراد أن يتفقّه كلّ فرد منهم ، وينذر كلّ واحد منهم ، ويتحذّر كلّ واحد منهم .
الثالث : المراد من التحذّر هو التحذّر العملىّ ، وهو يحصل بالعمل بقول المنذر وتصديق قوله ، والجرى على ما يقتضيه من الحركة والسكون ، وليس المراد الحذر عند حصول العلم من قول المنذر ، بل مقتضى الإطلاق والعموم الاستغراقي في قوله :
لِيُنْذِرُوا
هو وجوب الحذر مطلقا ، حصل العلم من قول المنذر أو لم يحصل ، غايته أنّه يجب تقييد إطلاقه بما إذا كان المنذر عدلا .
وبعد العلم بهذه الأمور لا أظنّ أن يشكّ أحد في دلالتها على حجّيّة الخبر الواحد . وبما ذكرنا من التقريب يمكن دفع جميع ما ذكر من الإشكالات على التمسّك بها ، انتهى . ثمّ تصدّى لبيان الإشكالات ودفعها . « 1 »
أقول : يرد عليه : أوّلا : أنّ ما ادّعى - من أنّ ما بعد كلمة « لعلّ » يكون علّة غائيّة لما قبلها في جميع موارد استعمالاتها - ممنوع ، كما يظهر من تتّبع موارد استعمالاتها ، كما أنّ في قوله تعالى :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
« 2 » لم يكن بخوع نفسه الشريفة علّة غائيّة لعدم إيمانهم ، ومعلوم أنّ الجملة الشرطيّة في حكم التقدّم على جزائها . ولكن الخطب سهل بعد كون ما نحن فيه من قبيل ما أفاده رحمه اللّه .
وثانيا : أنّ دعوى كون التحذّر واجبا - لكونه غاية للإنذار الواجب - ممنوعة ، فإنّ
هامش
( 1 ) . فوائد الأصول ؛ 3 : 185 - 187 .
( 2 ) . الكهف / 6 .