وأمّا ما يقال : من أنّ « الضرار » في الحديث بمعنى المجازاة ، فإنّه فعال من الضرر ، أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه ، فقد فرغنا في محلّه عن تضعيفه ، فراجع .
مضافا إلى أنّ نفى المجازاة عن المتعدّى ، ينافي الكتاب والسنّة ، الناصّين بثبوت القصاص والتقاصّ ، كقوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
« 1 » وغيره .
ولا إشكال : في أنّ مورد ورود الروايات ، هو من قبيل إيقاع التضييق والتحريج ؛ إذ كان الخبيث سمرة بن جندب - لعنه اللّه - يدخل على أهل بيت الأنصاري فجأة وبلا استئذان ، ناظرا إلى شئ من أهله ، وكان ذلك شاقّا على الأنصاري ، فحينئذ فالكبرى على فرض كونها مورد البيان ، لا تكون كذلك إلّا في « لا ضرار . . . » دون « لا ضرر . . . » .
فإذن لا دليل على الإطلاق في قاعدة « لا ضرر . . . » فاستفادة أصل الخيار منها - مع الغضّ عمّا تقدّم - محلّ منع ، فضلا عن استفادة التراخي .
إلّا أن يقال : باستفادة الإطلاق من وحدة السياق ، أو من مناسبة الحكم والموضوع .
ثمّ إنّه مع البناء على الإطلاق ، فلا شبهة في أنّ مثل « لا ضرر . . . » ودليل نفى الحرج الناظر إلى الادلّة الشرعيّة ، تكون نتيجة إطلاقه أنّ الأحكام الضررية مطلقا مرفوعة ، من غير فرق بين توجّه الضرر من قبل العموم أو الإطلاق .
فحينئذ يحتمل أن يكون النفي في قاعدة الضرر في المقام ، متوجّها إلى عموم
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
فيكون بمنزلة المخصّص له ، ومع إخراج الفرد ، ينتفى موضوع الإطلاق بالنسبة إلى حالاته ؛ للتفرّع المتقدّم ذكره ، فلا يستفاد منه إلّا خروج الفرد الذي كان لولاه ، واجب الوفاء في الجملة .
هامش
( 1 ) . البقرة / 194 .