الحكمة لا تجعل غير الدالّ دالّا ، ومن الواضح أنّ الالفاظ الموضوعة للطبائع ، لا تدلّ إلّا على نفس الطبائع ، والدلالة على الكثرة والشياع ، تحتاج إلى دالّ لفظي ، ومقدّمات الحكمة ، لا تفيد إلّا ما أشرنا إليه : من أنّ ما جعل متعلّقا ، هو تمام الموضوع ، سواء كان طبيعة ، أم علما .
وأمّا ما تكرّر في كلامهم من أنّ الإهمال الثبوتى محال ، فاللزوم الحقيقي المجعول في الآية له تعيّن واقعي ، إمّا بجميع الأزمنة ، أو ببعضها . « 1 »
ففيه : أنّ معنى عدم إمكان الإهمال ثبوتا ، ليس لزوم لحاظ ما ليس موضوعا ، ولا دخيلا فيه ، في موضوع الحكم .
ففي المقام : إنّ موضوع وجوب الوفاء هو العقد ، وبعد مقدّمات الإطلاق ، يكشف أنّ العقد تمام الموضوع ، ولا دخل لشئ آخر فيه ، فلو فرض إمكان إيجاد العقد في غير الزمان والمكان ، كان الموضوع متحقّقا ؛ لعدم دخالتهما في موضوع الحكم ، فالعقد بعد وجوده ، يجب الوفاء به أينما تحقّق ، وفي أىّ زمان كان .
لكن لا بمعنى دخالتهما في موضوع الحكم ، ولا بمعنى لحاظهما حال الجعل ، بل بمعنى أنّ العقد أينما وجد ، يكون عقدا ، فيجب الوفاء به .
ولو فرض قيام دليل على عدم وجوب الوفاء به في زمان ، يكشف ذلك عن كون الموضوع هو العقد في غير هذا الزمان ، فبعد ورود القيد ، يكشف أنّ الموضوع - لبّا - مقيّد بغير الزمان الخارج ، لا أنّ الإطلاق يقتضى ذلك ، وللتفصيل محلّ آخر .
وأنت إذا تأمّلت فيما ذكر ، تعرف أنّ كثيرا من المباحث التي وقعت في المطلق والمقيّد ، خارجة عن محطّ الكلام ، وعمّا هو المطلوب في ذلك الباب ، وأنّه لا أصل للإطلاق البدلي والشمولي ، ولا موضوع للبحث عن أنّ الدالّ على البدليّة والشمول ،
هامش
( 1 ) . المحقق الاصفهاني ؛ حاشية المكاسب ؛ 2 : 72 .