كلّ من السّباق والسّياق يتعلّق بخلق النّاس ، فهم المخاطبون في النصّ .
وقد هدانا التدبّر لنصوص القرآن إلى أنّ من أساليبه لإثراء الفائدة ، الإتيان بالكّليّات العامّات اللّواتي هي من جوامع الكلم ، مع أنّ السّباق والسّياق يتعلّقان بموضوع خاصّ ، أو أنّ الكلام وارد في معرض موضوع خاصّ . وعلى متدبّر آيات كتاب اللّه المجيد أن يضع هذه الطريقة القرآنية نصب عينية دواما .
* * * القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
. . . وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ . . .
إنّ الحديث عن إنشاء الخلق من تراب ، ثمّ من نطفة ثمّ ما يتبع ذلك من تحديد الذكور والإناث في النّطف ، وحمل الأمّهات أجنّتها بعلم اللّه وقدره وقضائه وخلقه ، يستدعي الحديث عن إنهاء أعمار الأحياء بالموت في آجالها المقدّرة لها .
فجاءت عبارة هذه القضيّة مبيّنة واقع حال المقادير الرّبّانيّة في الآجال .
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ :
يقال لغة : عمّر اللّه فلانا ، أي : أطال عمره ، فهو معمّر .
العمر : هو مدّة حياة الحيّ ، ومدّة بقاء كلّ مخلوق أيضا ، وتدلّنا الملاحظة المتكرّرة على أنّ النباتات لها أعمار ، حتّى الأشجار العظيمة ، فإذا جاءت آجالها انتهت أعمارها ، وأنّ الأدوات المصنوعة لها أعمار ، حتّى عناصر الأرض ونجوم السماء لها أعمار .
وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ :
أي : ولا يقلّل من عمره ، يقال لغة : نقص