داخل الأجساد فتتكوّن بخلقه النّطف المنويّة فيها ، ثمّ تتكوّن في النّطف المنويّة الأزواج من صنفي الذّكر والأنثى ، ثمّ يكون الحمل بالتقاء الحييوان الصغير جدّا الّذي يجتمع الألوف منه على رأس إبرة ، والقادم من نطفة الرّجل ، بالبييضة الهابطة من المرأة إلى الرّحم ، فإذا كان هذا الحييوان من صنف الذكور انعقد الجنين بخلق اللّه ذكرا ، وإذا كان من صنف الإناث انعقد الجنين أنثى بخلقه وقضائه وقدره ، على وفق حكمته .
وطوى النصّ هنا ذكر الماء واقتصر على ذكر التراب ، إذ جاء بيان الماء في نصوص أخرى ، ولعلّ في هذا الاقتصار هنا إشارة إلى أنّ العناصر الترابية هي العناصر البانيّة للموادّ الأساسيّة للأجساد الحية ، وأمّا الماء فهو على الرّغم من كونه أكثر قوام الأجساد فإنه المادة المالئة للفراغات بين الموادّ الأساسية .
وهذه الآية هي من عجائب التكوين الرّبّاني ، الدّالّة على قدرة اللّه العظيمة ، وإتقانه البالغ غاية الإبداع ، والدّالّة على شمول علمه كلّ صغيرة وكبيرة ، والدّالّة على لطفه المدهش في عمليّات الخلق الّتي يقوم بها آنا فآنا .
ولمراعاة الفوارق الزّمنيّة بين المرحلة الترابيّة ، والمرحلة الّتي تتكوّن فيها النّطف المنويّة ، والمرحلة الّتي يجعل اللّه فيها أزواج الذّكور والإناث في النّطف ، أو عند التقاء الحييوان بالبييضة جاء في العبارة العطف بحرف العطف « ثمّ » الّذي يدلّ على الزمن المتراخي نسبيّا .
ولعلماء الأحياء من مختلف التخصّصات دراسات مستفيضات ، حول إتقان الخالق الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه ، وعجائب تكوينه في المراحل الّتي دلّت عليها هذه القضيّة ، من قضايا هذا الدرس .
* * *
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 79
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٧٩