أي : لنحن أعلم بالّذين هم أولى بجهنّم احتراقا بنارها . وقد دلّت هذه العبارة عن طريق الكناية بملاحظة اللّوازم الفكرية ، على أنّ اللّه العزيز القهّار سوف يكبّ هؤلاء في جهنّم ، ويوصلهم إلى الدّركات الّتي يستحقّون فيها عذاب الحريق ، لأنّ علم اللّه بالّذين هم أولى بها صليّا ضمن مجاري عدله الحكيم يوم الدّين ، يستلزم أن يكبّهم في جهنّم ليحترقوا بلهب نيرانها .
تاسعا : ومن الفنون البلاغيّة النفيسة ، ما يسمّى عند البلاغيّين : « المجاز المرسل »
: وهو المجاز الذي تكون العلاقة فيه بين المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازيّ الّذي استعمل اللّفظ للدّلالة به عليه أمرا غير المشابهة ، أو قائما على التوسّع على اللّغة دون ضابط معيّن .
وقد جاء في السورة من هذا الفنّ النفيس ما يلي :
( 1 ) قول اللّه عزّ وجلّ فيها بشأن الّذين كفروا :
. . . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
( 37 ) .
أي : فعذاب للّذين كفروا من مشهد يوم عظيم ، هو يوم الدّين .
أطلق في هذه العبارة
« مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ »
أي : حضوره ، وأريد به ما يحصل في ذلك اليوم من أنواع عذاب للكافرين ، وأطلق لفظ : « يوم » وهو ظرف زمان على المكان الذي يجري فيه ذلك الزمان . والعلاقة في الإطلاق الأوّل : « الحالّيّة والمحلّيّة » . والعلاقة في الإطلاق الثاني : « الاقتران » .
والعبارة كلّها بوجه عامّ من الكنايات ، إذ جاء فيها إطلاق الحدث ، وهو « الشهود » على ما يلزم عنه من أمور وأحداث أخرى ، أو عمّا يقترن به .
( 2 ) قول اللّه عزّ وجلّ فيها بشأن الذين جاءوا بعد الأنبياء والرّسل السّابقين ، من ذراريهم ، ومن ذراري أتباعهم :