مع أنّ الظاهر في متابعة الكلام يقتضي الاستمرار على ملازمة التعبير وفق الطريقة المختارة أوّلا ، دون التحوّل عنها .
أقول : وهو أحد فنون الحركة البديعة في أساليب البيان القائمة على المفاجأة في الحديث ، دون مقدّمات تشعر بالتحوّل . ومن تأثيراته شدّ انتباه المتلقّي بقوّة ، وإيقاظه من الغفلة .
ومن أمثلته ما في قول اللّه عزّ وجلّ في هذه السورة :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا
( 89 ) .
مقتضى الظاهر أن يقال : « لقد جاءوا شيئا إدّا » فعدل عن الغيبة إلى الخطاب بحركة مفاجئة ، لتثريب أصحاب مقالة :
« اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً »
وقرعهم بمقرعة التوبيخ .
إِدًّا :
أي : شيئا منكرا شديد النّكارة والشناعة ومصادمة الحقّ ، فمن شدّة شناعته لا تتحمّل النفوس السّويّة شدّة وقعه .
سابعا : ومن الفنون البلاغيّة الرائعة
: تقديم النّصّ اقتطاعا من الحدث الماضي ، أو من الحدث المستقبليّ الّذي سيحدث ، أو سوف يحدث ، لإحضار الصّورة نفسها مفاجأة ، كأنّ الحدث يجري مع الخطاب البيانيّ عنه .
وهذا الفنّ هو من بدائع القرآن البيانيّة ، الّتي لم يعرفها البلغاء من قبل القرآن المجيد .
ومنه في السورة ، قول اللّه عزّ وجلّ :
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
( 7 ) .
وقول اللّه عزّ وجل :