لكنّ حكمة اللّه جلّ جلاله لم تشأ ذلك ، لئلّا يكفر النّاس جميعا ، إذ لا يكون الأمر قائما على الامتحان الأمثل .
بل شاءت حكمة اللّه أن يكون النّاس جميعا ، مؤمنوهم وكافروهم خاضعين لسنّة عامّة تشمل الجميع ، وأن يكون التوزيع الفرديّ بحسب خصائص النّفوس ، وخرائطها التّكوينيّة الّتي لا يعلمها إلّا هو ومن يعلمه ، فهو بحكمته يوسّع الرزق لمن يشاء ، ويضيّق الرّزق على من يشاء ، ويعزّ من يشاء ، ويذلّ من يشاء ، ويوزّع المتناقضات والمتضادّات والمتخالفات والمتماثلات بمقاديره الحكيمة على عباده ، بحسب علمه بهم ، وبحسب حكمته في امتحان كلّ منهم ، التي يراعي بها حالة الخريطة النفسيّة الّتي فطره عليها ، ويراعي بها أحسن صور الامتحان الأمثل له .
وقد دلّ على هذه المعاني نصوص قرآنيّة كثيرة ، منها ما يلي :
( 1 ) قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 50 نزول ) :
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
( 21 ) .
نُمِدُّ :
أي : نعطي عطاءا فيه سعة وتطويل ، وقد يكون بتتابع واتّصال .
هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ :
أي : من كلّ الناس على اختلاف عقائدهم وألوانهم ولغاتهم ومواطنهم وأصولهم وأعراقهم ، مؤمنيهم وكفّارهم .
والواقع البشري يبيّن المراد بهذا النّصّ .
( 2 ) وقول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الزّخرف / 43 مصحف / 63 نزول ) :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ