بينما كان المسلمون في العهد المكيّ من تاريخ دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، محرومين من ذلك الّذي كان الّذين كفروا يتمتّعون به .
فتوهّم الّذين كفروا أنّ ما هم عليه من اعتقاد وسلوك خير ممّا يدعوهم إليه الرّسول والّذين آمنوا به واتّبعوه ، إذ كان هو السّبب في تفوّقهم في مظاهر الحياة الدّنيا وزيناتها .
هذه النظرة القاصرة الضيّقة قد يفتن بها بعض المؤمنين المسلمين ، ضعفاء الإيمان ، أو الجهلة بحكمة اللّه في عباده .
لكنّ الحقيقة مخالفة لها تماما ، فنحن نعلم من قواطع النصوص ، وبراهين العقل ، أنّ دار الحياة الدنيا دار امتحان ، ونعلم أنّ الامتحان فيها يكون على مقدار ما فيها من متناقضات ، ومتضادّات ، ومتخالفات ، ومتماثلات .
فيكون الامتحان بالغنى وبالفقر ، وبالعزّ وبالذّل ، وبالصحّة والمرض ، وبارتفاع المكانة الاجتماعيّة وبانخفاضها ، وبسائر ما في الحياة من أعراض وتصاريف ، ويكون بامتحان الناس بعضهم ببعض ، ويجري امتحان العباد بها سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين ، دون تفريق بين الزّمر المتباينة في مفهوماتها ومعتقداتها .
أمّا امتحان كلّ إنسان فيكون بحكمة اللّه جلّ جلاله ملائما لتكوين خريطته النفسيّة ، الّتي لا يعلمها علما شاملا إلّا اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - الّذي وضعها موضع الامتحان في ظروف الحياة الدنيا .
ولولا أن يفتن المؤمنون فتنة شديدة لا يجدون في نفوسهم مقاومة لها ، لجعل اللّه عزّ وجلّ للكافرين في الحياة الدنيا ، كلّ ما يحبّون من زينتها وزخرفها ورفاهيتها ، ولجعل المؤمنين المسلمين محرومين من ذلك ، يعيشون في الحياة الدّنيا بلا زينة ولا زخرف ولا رفاهية .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 602
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٠٢