تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
وكلّ من الفريقين سيتذكّر بالتّنبيه وبالإثارة للتّذكّر ، فالقضيّة من الحقائق الّتي يعلمها من نفسه كلّ إنسان .
وَلَمْ يَكُ شَيْئاً :
أي : ولم يكن شيئا ، يجوز حذف نون الفعل المضارع من فعل : « يكون » بشرط كونه مجزوما بالسّكون ، غير متّصل بضمير نصب ولا ساكن . والدّاعي البلاغي لهذا الحذف هنا الإشعار بأنّ من كان معدوما في الواقع ، يحسن أن يوجز الحديث عنه في اللّفظ ، ومن هذا الإيجاز حذف ما يجوز في اللّسان العربيّ حذفه في النّطق . والمراد أنّه لم يكن شيئا يقال له : « إنسان » ولو كانت عناصر جسده موجودة ترابا في الأرض . وقبل خلق الكون كلّه لم يكن شيئا مطلقا ، إذ كان عدما محضا . وممّا لا شكّ فيه أنّ دليل قياس قدرة الرّبّ على الإعادة إلى الحياة بعد الموت ، على قدرته على بدء خلق المخلوق الحيّ ثمّ إماتته وإفنائه ، دليل برهانيّ ، إذ الرّبّ الخالق أزليّ الذّات ، وأزليّ الصّفات ، وهو على الدّوام محيط بكلّ شيء علما ، وممّا هو داخل في علمه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - كلّ جزء صغر أم كبر من ذوات مخلوقاته وصفاتها ، مهما تبدّلت وتحوّلت في أطوار وجوداتها ، وبنائها وتناقصها حتّى فنائها . قول اللّه عزّ وجلّ : *
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا
( 70 ) . بعد إقامة الدّليل البرهاني ، انتقل البيان القرآنيّ إلى توجيه الموعظة بالترهيب في هذه الآيات الثلاث .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 588 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني