وقد جاء الحديث عنه بأسلوب الحديث عن الغائب إعراضا عنه ، ومعاملة له بمثل صنيعه ، إذ أعرض عن أدلّة الحقّ ، والغرض من الاستفهام التلويم .
« الواو » في
أَ وَلا يَذْكُرُ
تعطف على محذوف مقدّر ذهنا ، يستطيع المتدبّر المتأنّي اللّمّاح أن يدركه ، وتقديره : ألا يعلم الإنسان أنّ اللّه الّذي خلقه قدير على خلق ما يريد خلقه ؟ ! أولا يذكر أو يتذكّر أنّ اللّه خلقه من قبل ولم يك شيئا .
وجاء التعبير بضمير المتكلّم العظيم :
أَنَّا خَلَقْناهُ
لأنّ الخلق الإبداعيّ من العدم لا يكون إلّا من الرّبّ العظيم .
إنّ قدرة اللّه الرّبّ العظيم ظاهرة آثارها في كلّ شيء من هذا الكون العظيم ، إذ إنّ آياته فيه دالّات عليها ، وهذا أمر مشهود دواما لكلّ من آتاه اللّه عزّ وجلّ فكرا وقدرة على الفهم وحسّا .
وحين يعود الإنسان إلى نفسه يتذكّر أنّه لم يكن ثمّ كان ، ويدرك بعقله أنّ خالقا قد خلقه بعد أن لم يكن شيئا .
وهنا يستطيع أن يقيس أحداث المستقبل على أحداث الماضي ، فالخالق الّذي خلقه بعد أن لم يكن شيئا ، وأعطاه صفاته الّتي تميّز بها عن سائر ما خلق اللّه ، قادر على أن يبعثه إلى الحياة بعد أن يميته ويفنيه .
جاء في إحدى القراءتين :
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ
وهذه تناسب من كان صاحب ذاكرة حسنة ، تستدعي المعلومات المخزونات في جهاز التخزين العلميّ لديه دون تكلّف .
وجاء في القراءةالأخرى : « أولا يذّكّر الإنسان » وهذه تناسب من كان صاحب ذاكرة تستدعي المعلومات المخزونات في جهاز التخزين العلميّ لديه بجهد وتكلّف .