وكان من الحكمة الإجرائيّة الفصل بين المقدّمات التّمهيديّة ، وبين موضوع السورة الرئيس ، بدرس اعتراضيّ يعالج قضيّة طرحها الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم على جبريل أمين الوحي عليه السّلام ، إبّان تنزيل السّورة ، إذ قال له : « ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا » ؟ !
فأنزل اللّه عزّ وجلّ آيتي هذا الدّرس من دروس السورة .
أخرج البخاريّ وغيره عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل :
« ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا » ؟ !
فأنزل اللّه عزّ وجلّ قوله حكاية لما قاله جبريل للرّسول :
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
( 65 ) .
التدبّر :
*
وَما نَتَنَزَّلُ :
أي : وما ننزل نحن الملائكة حينا فحينا آخر ، أو ثمّ حينا آخر بتمهّل وأناة .
يقال لغة : تنزّل : أي : نزل في مهلة دون استعجال .
وفي هذا إشارة إلى أنّ أوامر اللّه عزّ وجلّ مقدّرة بأوقات معلومة ، فلا يوجّهها لملائكته للقيام بما يكلّفهم إيّاه إلّا في أوقاتها المحدّدة ، الّتي لا يحتاجون معها لأن يستعجلوا ، فهم يتنزّلون بتمهّل على وفق أوامر الرّبّ جلّ جلاله ، إذ لا يخافون التأخير ، نظرا إلى أنّ مدّة التّنزّل محسوبة ، وأنّ الزّمن لتأدية الوظيفة محدّد ومعلوم ، فكلّ شيء يتمّ في وقته المقدّر له .