وفي الإجابة على هذا أقول :
( 1 ) إنّ علم اللّه ومقاديره في خلقه لا تحصى ، فلو نسي من كلّ مليار من الأشياء مثلا شيئا واحدا ، لاجتمعت منسيّات كثيرات يصحّ معها أن يوصف بأنّه نسيّ .
( 2 ) ملائمة رؤوس الآيات قبلها وبعدها تقتضي اختيار كلامة « نسيّ » لا « ناس » ولا « ذا نسيان » ولا عبارة « ينسى » إيثارا للجمال الفنّي في العبارة .
( 3 ) جاء في كتاب اللّغة أنّ لفظ « نسيّ » يقال للمذكر والمؤنث ، ويظهر أنّ العرب استخدموا كلمة « نسيّ » مثل اسم الفاعل الّذي لا مبالغة فيه ، مسقطين دلالة الصيغة على الكثرة .
وجاء في هذه الجملة اختيار عبارة :
رَبِّكَ
دون سائر أسماء اللّه الحسنى ، للإشارة إلى أنّ من له الرّبوبيّة المتصرّفة بالمربوبين في كلّ أصغر وحدة زمنيّة ، لا يمكن أن يترك أمرا ما قضت به حكمته ، وأمضاه بقضائه وقدره ، ولو كان اللّه الرّبّ تاركا شيئا ما في كونه ، لتعرّضت أشياء كثيرة من الكائنات ، للخلل والفساد ، لكنّ شيئا من هذا لم يحدث في شيء من هذا الكون العظيم ، على الرّغم من مرور مليارات القرون عليه .
القضيّة الرابعة : دلّت عليها عبارة :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما :
هذه العبارة بدل من عبارة
رَبِّكَ
أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره « هو » أي : هو ربّ السّماوات والأرض وما بينهما .
عبارة :
وَما بَيْنَهُما
تدلّ على أنّ ما نراه فراغا بين السّماوات من أعلى سماء فيها وبين الأرض ليس فراغا على الحقيقة ، بل هو بمثابة وعاء لكائنات غير منظورة هي من خلق اللّه ، وهي خاضعة لربوبيّته جلّ جلاله وعظم سلطانه ، وهو يجري فيها تصاريفه الحكيمة على ما يشاء ، كما