وقد جاء في نصوص القرآن والسّنّة ، إطلاق لفظ « الصراط » على الشرائع والأحكام ، والنصائح والوصايا ، وسائر البيانات والتعليمات الدّينيّة ، المتعلّقة بسلوك العباد الظاهر والباطن في الحياة الدّنيا ، عبادة لرّبهم ، على سبيل الاستعارة القائمة على تشبيه البرنامج الاعتقاديّ والعمليّ الموصل إلى السّعادة الّتي هي أجلّ مقاصد أولي الألباب ، بالصراط الموصل إلى الغاية المطلوبة للسّالكين في أسفارهم ، وانتقالاتهم ، وارتحالاتهم .
أَهْدِكَ :
يقال لغة : هداه الطّريق ، وهداه إليه ، أي : بيّنه وأوضحه له ، وأرشده إليه ، وأعلمه به .
ولمّا كانت الهداية إلى الصراط السّويّ ، لا تتحقّق إلّا باجتناب سبل الضّلال ، ولمّا كان السّير في سبل الضّلال هو من طاعة الشيطان الذي صمّم وتعهّد ، أن يبذل كلّ ما في وسعه ، حتّى يبعد آدم وذرّياته عن الصراط المستقيم ، ويجعلهم يسلكون السّبل المضلّلة الّتي تنتهي بهم إلى عذاب الجحيم ، متّبعين خطواته ، وكانت هذه الطّاعة للشيطان من العبادة المناقضة لعبادة اللّه ، قال إبراهيم عليه السّلام لأبيه :
*
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
( 44 ) .
فأبان إبراهيم عليه السّلام لأبيه أنّ عبادة الأوثان ، هي في الحقيقة عبادة للشيطان الذي أوحى بها ، وأمر أولياءه من الإنس بتزيين عبادتها .
وأبان له أنّ الشيطان كان شديد العصيان للرّحمن ، والتمرّد على أوامره ونواهيه .
وذكر له من أسماء اللّه الحسنى في دعوته إياه اسمه الرّحمن ، ليحرّك وجدانه وعاطفته الخيّرة نحو ربّه ، الّذي يمدّه بالحياة والرّزق والصّحّة ، وسائر محابّه من حياته برحمته ، والّذي ترجى رحمته دواما ، والّذي يغفر للتّائبين ويعفو عنهم برحمته .