كان مثله في برّه لأبيه ، لا يرغب عن طريقته ، ولا يتّخذ لنفسه طريقا آخر .
وكان غضب الأب قد بلغ الذّروة ، فقال لابنه إبراهيم عليه السّلام :
*
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ :
اللّام في « لئن » واقعة في جواب قسم محذوف ، والتقدير : أقسم لئن لم تنته فتكفّ عمّا أنت فيه من محاربة لعبادة الأوثان ، والدّعوة إلى الإيمان باللّه وحده ، وإلى عبادته وحده لا شريك له ، لأرجمنّك .
الرّجم : هو الرّمي بالحجارة ، يقال : رجمه يرجمه رجما ، أي : رماه بالحجارة ، سواء أقتله بها ، أم لم يقتله .
ويظهر أنّه بعد هذا التهديد برد غضبه ، وأدرك أنّ ابنه إبراهيم لن ينتهي عمّا نهاه عنه ، فأتبع كلامه بقوله :
. . . وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
( 46 ) :
أي : واهجرني مبتعدا عنّي زمنا طويلا .
المليّ : هو في اللّغة الزمان الطويل .
وشعر إبراهيم عليه السّلام بتنازل حدّة غضب أبيه ، وظنّ أنّه إذا استجاب لطلبه فهجره مدّة طويلة من الزمان ، تراجع عن إصراره وعناده ، وصار أطوع وألين وأكثر تقبّلا للحقّ ، فقال لأبيه ما جاء في البيان القرآني التالي :
*
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا
( 48 ) :
في هاتين الآيتين بيان أربع قضايا وجدها إبراهيم عليه السّلام ملائمة وحكيمة في هذا الموقف :