فإبراهيم عليه السّلام قد كان صدّيقا ، وقد كان نبيّا ، وقد جاء إثبات رسالته بلفظ صريح في نصّ آخر . أمّا في هذا النصّ من سورة ( مريم ) فتفهم رسالته باللّزوم العقليّ ، إذ دلّ عليها قيامه بواجب الدّعوة إلى اللّه .
قول اللّه تعالى :
*
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
( 42 ) :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ :
أي : واذكر في الكتاب قصّة إبراهيم حين قال لأبيه . . . .
يا أَبَتِ :
لقد تلطّف إبراهيم عليه السّلام مع أبيه ، فخاطبه بتذلّل وخضوع وإشعار بارتفاع منزلة أبيه بالأبوة ، فناداه بأداة النّداء الموضوعة للبعيد ، ووضع بدل ياء المتكلّم تاء التأنيث ، الّتي يستعطف بها رقّته الّتي يشارك الأمّ بها ، فكأنّه قال له : يا أبي الّذي هو مثل أمّي في الشفقة عليّ والرّحمة بي ، إنّ من البرّ بك ، أن أنصحك ، وأدلّك على الحقّ وصراط الهدى ، وأحذّرك من عذاب اللّه .
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً :
بدأ إبراهيم عليه السّلام نصحه لأبيه بطرح سؤال لا بدّ أن يطرحه على نفسه كلّ من يمارس عملا من الأعمال ، ولا بدّ أن يطرحه الدّاعي الحكيم على من يمارس عملا باطلا ، أو فاسدا لا يرضاه منه ، ويجده في عمله منحدرا إلى تهلكته وشقائه وعذابه .
سؤال فيه معنى الاستفسار ، وفيه معنى الاستنكار ، وفيه معنى التعجّب .
أي : يا أبت ، هل لك مقصد يتحقّق لك ، بعبادتك أوثانا جامدة ، لا تسمع دعاءك ، ولا تبصر ذاتك ، ولا تنفعك بنافعة ، ولا تصرف عنك شيئا ممّا تكره .