تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
قول اللّه تعالى : *
قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
( 46 ) : دلّ هذا الرّدّ المعبّر عن حالة غضبيّة خرج فيها الأب عن مزاجه السّويّ ، لأنّ ابنه إبراهيم عليه السّلام ، قد حاصره من كلّ جوانبه الفكريّة ، والوجدانيّة ، والعاطفيّة ، والأدبيّة ، فوجد الأب نفسه مغلوبا ، مهزوما فكريّا ونفسيّا . ولمّا كان الأب غير مستعدّ لنبذ تقاليده الباطلة ، لم يجد وسيلة غير التهديد بالرّجم ، مستخدما سلطته الأبويّة . لكن لمّا بردت جذوة غضبه طلب من ابنه إبراهيم عليه السّلام ، أن يهجره مدّة طويلة ، لئلّا يكون بينهما احتكاك ما في مسائل الدّين وقضاياه . *
أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ
أي : أتارك أنت آلهتي ومخالف لي في ديني وعبادتي ؟ . يقال لغة : رغب عن الشيء ، أي : تركه زهدا فيه ، أو إنكارا له . ويقال : رغب في الشيء ، أي : أراده وحرص عليه ، أو طمع فيه . كان يكفي أن يقول : « أراغب عن آلهتي يا إبراهيم » من غير أن يضيف إلى العبارة ضمير الفصل « أنت » . ونستطيع أن نفهم أنّ هذا الإطناب له غرض بلاغيّ ، وهو إشعار الأب ابنه إبراهيم ، بأنّه من المستغرب منه وهو البارّ الحريص على برّ أبيه ، أن يرغب عن عبادة آلهته ، ويسلك سبيلا غير سبيله . أي : مثلك لا يفعل هذا . وقال له :
عَنْ آلِهَتِي
ولم يقل له : عن آلهة قومي ليؤكّد له أنّ من