ولا بدّ أن يكون إبراهيم عليه السّلام قد أبان لأبيه أركان الإيمان بالحجّة والبرهان .
ومن الواضح أن لا يجد الأب كلاما يصحّ في العقول ، ينقض به أدلّة الابن إبراهيم عليه السّلام ، بشأن أركان العقيدة الإيمانية ، وأسسها العقليّة ، وجذورها الوجدانيّة .
وبانقطاع الأب ، وعجزه عن متابعة المناظرة المنطقيّة المقبولة في العقول السليمة ، وجد إبراهيم عليه السّلام أنّ من المناسب عند هذا الموقف الحرج على أبيه أن يفتح له مخرجا فقال له :
. . . فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
( 43 ) :
أي : إنّ القاعدة الإيمانيّة ملزمة لكلّ ذي عقل سويّ بالإيمان بها ، وبناء على القاعدة الإيمانيّة يأتي السّلوك الظّاهر والباطن ، فانطلاقا من الحقّ الّذي تألّفت منه أركان القاعدة الإيمانية ، لا يكون السّلوك الّذي توجبه هذه الأركان إلّا على صراط سويّ .
إنّ من آمن بأنّ الرّبّ المهيمن على الكون كلّه هو واحد لا شريك له ، وأنّه خلق النّاس ليمتحنهم في ظروف هذه الحياة الدّنيا ، ثمّ ليحاسبهم ، ويفصل القضاء بشأنهم في ظروف حياة أخرى ، وأنّ حقّ ربوبيّته لهم أن يعبدوه ، ولا يشركوا بعبادته شيئا ، وأنّ عبادته تكون بطاعته والعمل بمراضيه ، والتقرّب إليه بمحابّه من عباده ، فلا بدّ أن يدرك أنّ هذا هو الصراط المستقيم السّويّ .
الصّراط : هو الطريق الواضح الميسّر السّهل ، الّذي لا توجد فيه عقبات ولا عراقيل ولا موانع .
السّويّ : هو المستوي المعتدل ، الّذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ، ولا مرتفعات ولا منخفضات .