وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً :
أصل معنى « أغناه » كفاه . والكفاية عند الحاجة إلى ما يدفع المكروه ، تتضمّن معنى الكفّ والصّرف ، فمعنى :
وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً :
ولا يكفّ عنك ولا يصرف عنك شيئا ممّا تكره .
فعدّي فعل « يغني » تعدية فعل : « يكفّ أو يصرف » وفق قاعدة التضمين ، الّتي هي إحدى أساليب التعبير القرآنيّة الإبداعيّة الإيجازيّة .
فالمعنى : لم تعبد ما لا يكفيك بشيء ، ولا يصرف عنك شيئا تكرهه . أو لم تعبد ما لا يكفيك بشيء صارفا عنك شيئا ممّا تكره .
وهذا السؤال لا يمكن أن يجيب عليه عاقل إجابة صحيحة إلّا بأن يقول : وجدت قومي وآباءهم يعبدون هذه الآلهة من الأوثان فعبدتها ، وأستبعد أنّهم كانوا على ضلالة .
ولم يأت في النصّ ما يدلّ على أنّ أباه وجد جوابا على هذا السؤال الاستفساريّ المتضمّن معنى التعجّب والاستنكار .
ولهذا انتقل إبراهيم عليه السّلام إلى اتّخاذ وسيلة إقناع أبيه بالحقّ الذي يدعوه إليه ، بعد أن أحرجه بالسؤال السّابق الذي لم يستطع أن يجيب عليه ، فقال له :
*
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
( 43 ) :
كرّر استعطافه لأبيه بقوله له :
يا أَبَتِ .
وأكّد له أنّه قد جاءه من العلم الّذي يسعى إليه العقلاء الرّاشدون ، ما ليس عند أبيه منه .
وهنا لا بدّ أن تجري محادثة بينهما ، يثبت فيها إبراهيم عليه السّلام لأبيه العلم الّذي جاءه ، بشأن الرّبوبيّة والإلهيّة ، وحقّ اللّه الرّبّ على عباده ، في أن يعبدوه ولا يشركوا بعبادته شيئا ، وأنّ من اتّخذ آلهة من دون اللّه ، جعله اللّه عزّ وجلّ من الخالدين يوم الدّين في عذاب النّار وبئس المصير .