السّلام على أبيه في الدّعوة إلى دين اللّه الحقّ ، وإلى نبذ اتّخاذ الأوثان وعبادتها ، ونوّع له أساليب الإقناع ، وقدّم له الحجج والبراهين ، واستعطفه واستلانه ، وتخضّع له ، وترفّق به ، وعاشره بإحسان ، ولم يقابله بما يكره .
وحين طلب منه أبوه أن يهجره إلى حين ، استجاب لطلبه ، ووعده بأن يستغفر له ربّه ، قبل أن يعلم أنّه مصرّ على أن يكون عدوّا للّه ، فلمّا علم أنّه عدوّ للّه تبرّأ منه .
ونفهم من هذا النّصّ الذي جاء في سورة ( مريم ) أنّ إبراهيم عليه السّلام قد أضجر أباه في دعوته له ، مقرونة بالحجج البرهانيّة المقنعة ، رجاء أن يستجيب له ، فيكون من المؤمنين الموحّدين النّاجين من عذاب اللّه الخالد في نار جهنّم ، وأنّ الضّجر قد أوصل الأب إلى أن يهدّد ابنه إبراهيم الناصح له ، والملحّ عليه بالنصيحة ، وبإقامة البراهين المقنعة ، فيتوعّده بالرجم ، فقال له :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ
أي : لأقتلنّك بوسيلة الرّجم بالحجارة .
ويظهر أنّ هذا التّهديد قد صدر من الأب وهو في حالة ضيق صدر ، إذ لم يستطع أن يردّ على حجج ابنه البرهانيّة بما يزيّن تقليده الأعمى في شركيّاته ، ومعلومّ أنّ ضيق الصّدر يولّد غضبا ، ومع الغضب تصدر عبارات التهديد ، الّتي قد تصل إلى التّهديد بالقتل .
ويظهر أنّه لمّا سكت غضبه تراجع عن التهديد بالرّجم ، وطلب من ابنه إبراهيم عليه السّلام أن يهجره مدّة طويلة من الزّمن ، فقال له :
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا .
المليّ : المدّة الطويلة من الزّمن .
ويظهر أن إبراهيم عليه السّلام استشعر من قول أبيه له :
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
وعدا ضمنيّا بأن يراجع نفسه ، ويتفكّر في الأمر ، ويتّخذ تدابير