لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا :
أي : لقد جئت شيئا عجيبا غير متوقّع الحدوث .
الفريّ : هو في اللّغة الأمر العجيب المستغرب . جئت شيئا : أي :
عملت وفعلت شيئا .
وهذه العبارة تصلح لمعنيين :
المعنى الأول : استغراب الحدث بذاته ، مع ملاحظة براءتها وعدم اتّهامها بالبغاء ، وهذا يكون من قبل الّذين لم يظنّوا بها إثما ، فقالوا : لقد جئت شيئا عجيبا من أحداث الدهر .
المعنى الثاني : التّعجّب من أمرها كيف تقع في الإثم ، وترتكب الفاحشة ، وهذا المعنى يكون من قبل الّذين وجّهوا لها الاتّهام بارتكاب الإثم ، الّذي نشأ عنه انعقاد الولد ، سواء وجّهوه لها بصريح أقوالهم ، أم بمعارضيها ، أم تحدّثوا به في أنفسهم ، فقالوا لها : لقد جئت شيئا عجيبا ، وأمرا مستنكرا غريبا ، وذلك لأمرين :
الأمر الأول : أنّ مثل هذا العمل لا يعرف في سلوك القانتين والقانتات ، المنقطعين والمنقطعات للتّبتّل والعبادة للّه عزّ وجلّ ، حتّى صار يشار إليك بالبنان ، وتذكرين بأنّك في قنوتك وعباداتك لربّك أخت ( أي :
مثل ) هارون المتعبّد القانت المنقطع للعبادة ، والرّجل التّقّيّ البارّ الورع الصالح . وقد كان هذا رجلا معروفا في عصرها بأنّه تقيّ بارّ محسن .
الأمر الثاني : أنّ مثل هذا العمل لا يعرف من امرأة أبواها عفيفان شريفان .
ويظهر هذان الأمران من قولهم التالي لها :
*
يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
( 28 ) .