تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
في شعر الرأس باشتعال النار على الرأس ، وقد استعير فعل : « اشتعل » للدلالة على معنى فعل « انتشر » مع إضافة صورة متخيّلة مأخوذة من لهب النّار . ويتابع البيانيّون النّحاة بأنّ كلمة :
شَيْباً
تمييز محوّل عن فاعل فعل :
وَاشْتَعَلَ
أي : اشتعل شيب الرأس . لكنّي أرى أنّ مثل هذا التحليل الّذي ذكره النّحاة ، وتبعهم فيه البيانيّون يضعف من قيمة الصّورة البيانيّة البديعة ، الّتي تقدّمها عبارة :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
ونظيرها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً .
والأكثر ملاءمة فيما أرى لتحليل هذا التعبير الفنّيّ البديع ، أن تكون استعارة فعل « اشتعل » وفاعله « الرّأس » تصويرا لصورة يتخيّلها النّاظر إلى الرأس ، الّذي أخذ الشّيب ينتشر فيه بسرعة ، كما ينتشر لهب النّار في الهشيم ، حتّى استوعب كلّ أجزائه . وكان من المنتظر أن يتمّ صاحب العبارة الصّورة المتخيّلة بقوله : « لهبا » فتكون العبارة : واشتعل الرأس لهبا . عندئذ تكون كلمة « لهبا » منصوبة على أنّها نائبة عن مفعول مطلق ، وأصل العبارة : اشتعالا لهبا ، والغرض بيان نوع الاشتعال . لكن المتحدّث استدرك فأشعر بأنّ الاشتعال لم يكن من نوع النار ، بل كان من نوع الشيب ، فقال : « شيبا » وتكون الكلمة نائبة عن مفعول مطلق ، أي : واشتعل الرأس اشتعالا من نوع الشيب ، وجاء فيها ذكر الشيب قرينة تلائم المستعار له ، وهو انتشار الشّيب في الرأس ، وبهذا تكون الاستعارة من قسم الاستعارة المجرّدة . وعلى مثل هذا نقول في عبارة :
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً .