تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
*
إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي :
جاءت هذه الجملة مؤكّدة بمؤكّدين : « إنّ - والجملة الاسمية » للدّلالة على اعترافه المؤكّد ببلوغه سنّ الشيخوخة ، ومعلوم أنّ مثل هذا الاعتراف يتهرّب منه أكثر الشّيوخ عادة ، ولتأكيد استرحامه ربّه بأنّه انتظر طويلا أن يرزقه اللّه بولد صالح حتّى شاخ ، وكاد اليأس يدبّ إلى قلبه . فاللّه عزّ وجلّ عليم به أكثر من علمه بنفسه ، فهو لا يحتاج سبحانه لتأكيد الجملة الخبريّة الّتي ذكرها زكريّا عليه السّلام ، ولا لذكر كلّ مقدّمات دعائه . ولازم الإخبار هنا هو الاسترحام والاستعطاف لإجابة الدّعاء .
وَهَنَ :
أي : ضعف ، تقول لغة : وهن يهن وهنا ، إذا ضعف . وذكر زكريّا عليه السّلام وهن عظمه ، لأنّ الهيكل العظميّ عماد بناء جسم الإنسان الأكبر . فإذا ضعف عظمه كان ذلك دليلا على ضعف جسمه كلّه لزوما ، فأغنى هذا البيان عن التصريح بضعف سائر جسمه . واختار أن يقول :
الْعَظْمُ مِنِّي
دون عبارة . « عظمي » مثلا ، لأن دلالة « أل » على استغراق كلّ العظم أقوى من دلالة الإضافة إلى ياء المتكلّم ، فالمعنى : وهن كلّ العظم منّي ، أي : من جسدي . *
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً .
يقول النحويّون : إنّ أصل هذه العبارة : واشتعل شيب الرّأس ، ويرون أنّ كلمة
شَيْباً
تمييز محوّل عن فاعل فعل :
وَاشْتَعَلَ
والتمييز يؤتى به لرفع الإبهام عن ذات مبهمة ، أو عن نسبة مبهمة ، ضمن شروط ذكروها . ويرى البيانيّون أنّ في هذه العبارة استعارة أصلها تشبيه انتشار الشّيب