منحه اللّه من إرادة حرّة ، وما سخّر له بتقديره وقضائه وخلقه من مسخّرات تطيعه في الكون ، إذا التزم بقوانينها وأنظمتها الجبريّة ، وأحسن استخدام مفاتيحها .
أما من رفض هذه « العبودية الاختيارية » فإنه يكشف بما اختار لنفسه في رحلة امتحانه عن تمرّده واستكباره على ربه ، بارئه وممدّه بعطاءات ربوبيته ، ويدلّ بما اختار لنفسه من سلوك على أنه ظلوم جهول ، ليس أهلا للمنحة العظيمة التي منحه اللّه إيّاها ، وهي منحة الإرادة الحرة ، ومنحة التسلّط على المسخّرات في ذاته وفي الكون من حوله ، فحسبه جهنّم يساق إليها يوم الدّين ، مجبورا مضطرا ، لا قدرة له على دفع أو رفع أو نجاة ، ولا يملك صرفا ولا عدلا ، إذا لا قدرة له على شيء يصرف به عن نفسه العذاب ، ولا على شيء يبذل منه ما يعادل ما استحقّ بظلمه من عذاب أليم خالد .
بهذا ظهر لنا الفرق بين العبودية الجبريّة للرب عزّ وجلّ وبين العبودية الاختيارية .
وللعبودية الاخيارية مراتب ودرجات لكل مرتبة ، وكمال العبودية الاختيارية يتحقق حينما يكون العابد في المجالات التي هو فيها ذو إرادة حرّة ذا أحوال اختياريّة مشابهة لأحوال المجالات التي هو فيها خاضع للعبوديّة الجبرية ، حتى يظفر بأسمى درجات القرب من الرّبّ الجليل .
وتكون هذه العبودية بأن يحقّق العبد بإرادته الحرّة معاني افتقاره لربوبية الربّ له ، وخضوعه لمالكيته ، وذلّه لسلطانه ، وطاعته لأوامره ونواهيه ، وتقرّبه إليه بمحابّه ومراضيه على ما شرع وأنزل على رسوله من تعاليم دينه الذي اصطفاه لعباده ، ومقابلة كلّ صفة تتعلق به من صفات الربوبية بما يلائمها من صفات العبودية .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 309
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٠٩