حركاتها تسير مسيرا جبريا ، والخلايا في الأجساد تسير مسيرا جبريّا ، والنباتات على اختلافها نماء وذبولا ونهاية تسير مسيرا جبريا ، والأحياء غير المريدة تسير ضمن غرائزها مسيرا جبريا ، وقوانين الطبيعة في كل عناصرها تسير مسيرا جبريّا .
وليس شيء في الوجود يسير في حركاته مسيرا جبريا هو مسؤول عما هو مجبور فيه ، لا عند خالقه ، ولا في مفاهيم أيّ ذي فكر يدرك حقائق الأمور ، ويفهم حدود المسؤوليات .
ولا يستطيع الكائن المجبور التحرّر من عبوديته الجبرية بوجه من الوجوه .
النوع الثاني : ما يكون الناس فيه ذوي إرادات حرّة ، ويكون لإراداتهم سلطان عليه بتقدير اللّه ، كالأعمال والحركات الظاهرة والباطنة التي إذا أرادوا عملوها وإذا لم يريدوا لم يعملوها .
مثل حركات الأيدي والأرجل في أفعالها الإرادية ، وفتح الأجفان وغمضها بالإرادة ، وشرب الشراب وأكل الطعام ونطق الكلام بتوجيه الإرادة ، ومثل توجيه التفكير لبحث موضوع ما ، وتوجيه النفس إراديّا لمحبّة شيء ما ، أو كراهية شيء ما ، وعقد نيّة وتحديد قصد من عمل ما بحركة إراديّة داخلية ، إلى غير هذه الأشياء مما يخضع لسلطان الإرادة التي منحها الخالق بتقديره وقضائه حرّيّة اتخاذ مراد ما من احتمالين فأكثر يستطيع الإنسان أن يختاره ويحدّده ويعمل لتحقيقه .
وبعد تحديد المراد يجد الإنسان وسائل مسخّرة مختلفة في ذاته وفي الكون من حوله ، قد سخّرها الرّبّ بتقديره الحكيم وقضائه النافذ لذوي الإرادات الحرّة ، حتى يتّخذوا منها ما يحققون به مراداتهم .
هذه المسخّرات في ذات المخلوق الحي المريد ، وفي الكون من
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 307
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٠٧