تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
حوله قد سخّرها له العليم الحكيم القدير الربّ جلّ وعلا بقضائه وقدره ، ليمتحنه في ظروف الحياة الدنيا ، فهي تطيعه بخلق اللّه وتقديره ضمن قوانينها وأنظمتها ، إذا أحسن استخدام مفاتيحها التي جعلها اللّه لها ، وأحسن جمع العناصر التي تحتاج جمعا وتأليفا لتحقيق الغاية منها ، وأحسن تفريق العناصر التي يتطلّب تحقيق الغاية منها تفريقا . مثلا : من أحسن استخراج النّفط وتصفيته وتمييز بعضه من بعض ، وأحسن صنع المكنات الحديدية الآلية ، وأحسن استخدامها ، وأحسن استخدام كثير من الموادّ المختلفة في الكون لصناعة طائرة ، وأحسن قيادتها ، طارت به في الجو بقضاء اللّه وقدره إلى حيث يريد . فمنحة الإرادة الحرّة ، وتسخير المسخّرات ، قد كانا - بمقتضى حكمة الرب العليم القدير الحكيم - لغاية امتحان الإنس ، وكذلك الجنّ في ظروف هذه الحياة الدنيا ، وبعد الامتحان يكون الحساب وفصل القضاء ، ثم الجزاء بالعدل أو بالفضل ، في ظروف حياة خالدة لا نهاية لها ولا فناء فيها . وهنا نتساءل : ما هو المطلوب من الممتحن في رحلة امتحانه خلال المدّة المقدّرة لبقائه في الامتحان ، وهي الزمن المقرّر لتكليفه من عمره المقدّر له في الحياة الدّنيا ؟ والجواب : أن يحقق عبوديّته الاختيارية لربّه فيما منح إرادته الحرّة من سلطة على المسخّرات له في ذاته ، وفي الكون من حوله . وهذه « العبودية الاختيارية » هي التي دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ في سورة [ الذّاريات / 51 مصحف / 67 نزول ] :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) . فبالعبوديّة الاختيارية يحقّق العبد الممتحن بإرادته أنه أهل لما
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 308 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني