* وجاء فيه بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ أملى للكافرين وأمهلهم ، ثمّ أخذهم بالعذاب والإهلاك العامّ الشامل ، وهذا البيان الواضح لم يأت في النّصوص السّابقة .
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ :
أطلق لفظ
قَرْيَةٍ
والمراد أهلها ، وهو من إطلاق اسم المحلّ على الحالّ فيه على سبيل المجاز المرسل .
أي : فعدد كثير من القرى أهلكها اللّه وهي ظالمة بكفرها وتكذيبها رسل ربّها .
والمعنى : أنّه لم يكن إهلاكها بعد إمهالها الطويل إلّا وهي ظالمة مستمرّة على ظلمها . والإمهال دلّ عليه :
فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
( 44 ) نكير : بحذف ياء المتكلم ، أي : إنكاري ، والمراد فكيف كان عقابي ، ألم يكن عقابا شديدا مؤلما مهلكا إهلاكا عامّا شاملا ، إنّ إنكار القادر على العقاب والانتقام يدلّ على عقابه وانتقامه .
كأيّن : اسم مركّب من كاف التّشبيه و « أيّ » المنوّنة ، ومعناه التكثير ، وهو بمعنى « كم » .
فَهِيَ خاوِيَةٌ :
أي : فهي فارغة لا ساكن فيها .
عَلى عُرُوشِها :
العروش جمع العرش ، وهو كلّ ما يستظلّ به ، ويطلق على السّقف ، وهذه العبارة تصلح لأن تفسّر بأنّ القرى المعنيّة باقية على عروشها ، وهذا المعنى يتلاءم مع :
فَهِيَ خاوِيَةٌ
ومع
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ .
وتصلح لأن تفسّر بأنّها ساقطة متهاوية على عروشها ، وهذا المعنى يلائم واقع حال كثير من القرى الّتي أهلك اللّه أهلها ، ودمّر ما دمّر منها ، لكنّ فكرة تكامل النصوص القرآنية ترجّح حمل هذا النّصّ على القرى التي بقي من آثارها عروش لم تسقط ، وقصور مشيدة ، وآبار معطّلة .