تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
* وإذ جاء الحديث عن النّاس عامّة كان من الحكمة في موضوع قانون الجزاء الرّبّانيّ المؤجّل إلى يوم الدين ، الّذي تدلّ عليه عقوبات اللّه المعجّلة في الدنيا للكافرين ، أن يكون الحديث عن عموم النّاس من مختلف الشعوب ، وفي مقدمتهم أمّتا أعظم دولتين يومئذ « فارس والرّوم » فقال اللّه عزّ وجلّ :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ
( 8 ) . في هذا الاستفهام مزيج من التّلويم على عدم التفكّر مع الحثّ عليه ، وإشعار لهم بأنّه كان عليهم أن يتفكّروا في أنفسهم دون تنبيه ولا حثّ ، والشّيء الذي كان ينبغي أن يتوصّلوا إليه بالتفكّر هو أنّ الخالق البارئ جلّ جلاله ، ما خلق السّماوات والأرض إلّا بالحقّ ، فلم يخلقهما عبثا ، فإبداعهما ، واتقان صنعهما ، وتسخيرهما للنّاس ، وجعل كلّ شيء فيهما ذا أجل تنتهي عنده وظيفته ، دليل على أنّ السّماوات والأرض وما فيهما ومن فيهما مخلوقات لغاية ، والتفكّر في خلق النّاس يدلّ على أنّهم مخلوقون للامتحان ، والامتحان يقتضي الجزاء ، وبما أنّ الجزاء الّذي يلائم طبيعة الامتحان غير متحقّق في ظروف الحياة الدّنيا ، فلا بدّ أن يكون في خطّة الخالق العليم الحكيم ، إيجاد ظروف حياة أخرى يتحقّق فيها الجزاء الأمثل ، لكنّ واقع حال الناس كما قال اللّه عزّ وجلّ في النصّ :
. . . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ
( 8 ) . * وبعد هذا نبّه اللّه عزّ وجلّ على ظاهرة الجزاء المعجّل الدّال على الجزاء المؤجّل ، فقال تعالى في الآيات من سورة ( الروم ) :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 9 ) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ
( 10 ) .