تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
اشتمل على نبأين من أنباء الغيب المستقبليّ : نبأ انتصار الرّسول وأصحابه على مشركي مكة ، ونبأ انتصار الرّوم على فارس . والمتدبّر لقول اللّه عزّ وجلّ في النّصّ :
. . . وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( 5 ) يلمح دلالة قويّة على أنّ فرح المؤمنين قد كان بانتصارهم على مشركي مكة ، أكثر من فرحهم بانتصار الرّوم أهل الكتاب على فارس عبّاد النّار بما لا يقاس ، وهذا البيان يتضمّن بشارة للرّسول وللمؤمنين به بانتصارهم على المشركين ، وبهذا الانتصار يفرحون بتحقيق وعد اللّه لهم ، وتنزيل سورة ( الروم ) كان في أواخر العهد المكيّ من مسيرة الرسول الدعوية . وظاهر النصّ يشعر بأنّ المؤمنين يفرحون بانتصار الرّوم على الفرس وهذا الظاهر هو الذي جعل المفسّرين يقصرون تفسيرهم للنصّ عليه . وقول اللّه عزّ وجلّ :
يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
يصلح للنبأين ، إلّا أنّ ختم الآية باسم اللّه « الرّحيم » أكثر ملاءمة لانتصار الرّسول والمؤمنين المستضعفين على مشركي مكّة الّذين كانوا يضطهدونهم ، فانتصار دولة الرّوم على دولة الفرس يومئذ يلائمه من أسماء اللّه الحسنى اسم اللّه « الحكيم » أمّا اسم اللّه « الرحيم » فهو يلائم أحوال المؤمنين المضطهدين المستضعفين ، واللّه أعلم . * وبعد هذا أبان اللّه عزّ وجلّ أنّه لا يخلف الميعاد ، فكما سيتحقّق النّصر الذي وعد به ، وسيشاهدونه في بضع سنين لا محالة ، فلا بدّ أن يتحقّق وعد الآخرة ، ولا بدّ أن يتحقّق البعث إلى يوم الدّين . وكان المناسب هنا أن يتحدّث النّصّ عن الناس عامّة ، لا عن مشركي مكّة يومئذ خاصّة ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
( 7 ) .