الذي ينفع المؤمنين عند ربّهم هو الإيمان بالغيب ، القائم على أدلّة العقل وبراهينه ، فالعقل ومدارك الفكر وأدوات الفهم الذهنيّ ، هي التي ميّز اللّه بها الإنسان ، وجعله مسؤولا في الحياة الدّنيا عما تهدى إليه ، كما قال عزّ وجلّ في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 50 نزول ) :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
( 36 ) .
وَلا تَقْفُ :
أي : ولا تتبع ، يقال لغة : قفاه يقفوه ، أي : تبعه .
فأبانت هذه الآية أنّ الإنسان مسؤول عند اللّه وعند أهل الحقّ والعدل من عباده ، عن العلم الّذي يأتي عن طريق السّمع ، أو عن طريق البصر ، أو عن طريق الفؤاد ، وما يأتي عن طريق الفؤاد هو ما تدركه العقول من غيبيّات بالأدلّة العقلية ، واللّوازم الفكريّة البرهانيّة .
وقد جعل اللّه عزّ وجلّ من أوّل أركان الإيمان في رحلة امتحان الإنسان في الحياة الدّنيا الإيمان بالغيب الّذي يتعلّق بذات اللّه وصفاته ، ثمّ بالغيب الّذي صحّت به الأخبار عنه بلاغا عن اللّه من قبل رسله المؤيّدين من لدنه بالمعجزات الباهرات ، والآيات البينات ، أو عمّن بلّغ عنهم بلاغات صادقات يشهد العقل بصدقها .
وأضاف هذا النّصّ أنّ المكذّبين السّابقين المهلكين ، لمّا رأوا مقدّمات بأس اللّه الوافد عليهم بالعذاب والإهلاك الشامل ،
قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ
ولكن لم يكن ينفعهم إيمانهم حينئذ ، لأنّه إيمان بعد شهود مقدّمات عذاب اللّه لهم ، وما كانوا قد أنذروا به من قبل .
وأضاف أنّ عدم قبول إيمانهم حينئذ هو سنّة من سنن اللّه ، الثابتة بقضائه وقدره ، وهذه السّنّة الرّبّانيّة قد جرت تطبيقات لها في الأمم السّالفة