تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
والكافرون الفاجرون يمكرون ، أي : يدبّرون أمورهم في خفاء ، ومكرهم يكون في الشّرّ غالبا ، والشيطان يمكر في الشّرّ دائما ، وهو شرّ الماكرين ، والمكر في الشّرّ مكر سيّىء دواما . ولمّا كان المكر صالحا لأن يكون في الخير ، وصالحا لأن يكون في الشّرّ ، كان لا بدّ من وصف المذموم منه بأنّه سيّىء بالوصف الصّريح أو بدلالة القرائن . وجاء التعبير بالمكر السّيّئ عن رغبات الفجور في الأرض ، إمّا على سبيل الكناية ، بإطلاق العبارة وإرادة لوازمها في السّلوك ، وإمّا على طريقة المجاز المرسل ، وهو هنا من إطلاق الوسيلة على ما يتوسّل بها إليه . وإضافة كلمة « مكر » إلى كلمة « السّيّئ » هي من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته ، على رأي الكوفيّين ، وبالإضافة لا تشترط المطابقة بين الصفة والموصوف ، وبهذا حصل تقييد المكر بأن يكون سيّئا ، لاستبعاد المكر الحسن . ويرى البصريّون أنّ هذه العبارة على تقدير : ومكر العمل السّيّئ ، ويقاس عليها أمثالها ، لأنّهم لا يرون جواز إضافة الموصوف إلى صفته . أقول : الأمر سهل يدور في فلك الصّناعة النحويّة ، أمّا المعنى المراد بالعبارة فواضح لا يحتاج جدلا . والمكر السّيّئ يشترك فيه المستكبرون الحريصون على تحقيق رغبات نفوسهم في العلوّ في الأرض ، وأهل الأهواء والشّهوات وإرادة الفجور . قول اللّه تعالى : *
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ :
أي : ولا يصيب المكر ويحيط إلّا بأهله المستحقّين له .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 235 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني