بل زادهم نفورا عن الاستجابة لما جاءهم به عن ربّهم ، ونفورا عن تلقّي كتاب اللّه وتدبّره ، والعمل بما جاء فيه ، ونفورا عن الإيمان بالحقّ ، واتّباعه ، والاهتداء بهديه .
والسّبب الذي جعلهم ينفرون هذا النّفور الغبيّ الأحمق ، يرجع إلى داءين نفسيّين خبيثين :
الدّاء الأولّ : حبّ الاستكبار في الأرض ، واتّخاذ الوسائل المختلفة للعلوّ فيها ، واحتلال مراكز العظمة والكبرياء على الناس ، ومراكز الزّعامات المختلفات ، والأنفة من اتّباع رسول اللّه محمّد فيما جاءهم به عن ربّهم .
وهذا الدّاء يظهر في قادة أهل الكفر وزعمائهم وذوي نزعات الكبر فيهم ، وقد دلّ عليه قول اللّه تعالى في العبارة :
اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ
أي :
ازدادوا نفورا لأجل أن يحقّقوا لأنفسهم الاستكبار في الأرض ، متوهّمين أنّ اتّباعهم للرّسول يحرمهم من مكاناتهم الاجتماعيّة الرّفيعة ، أو لا يسمح لهم بأن يعملوا لبلوغ ما يطمحون إليه منها .
الدّاء الثاني : شهوات النّفوس وأهواؤها ، ومطالبها من زينة الحياة الدّنيا بفجور وقح ، وانطلاق بلا قيود ولا حدود ، وهذه لا تتحقّق لطلّابها إلّا بالمكر السّيّئ ، فأطلق المكر السّيّىء كناية عمّا يتحقّق به من فجور وقبائح وسيّئات وظلم وفساد في الأرض .
المكر : هو تدبير أمر في خفاء ، يكون في الخير ، ويكون في الشرّ ، فالمؤمنون المتقون يمكرون ، أي : يدبّرون أمورهم في خفاء ، ومكرهم يكون في الخير .
واللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - يمكر في الخير دائما ، وهو خير الماكرين ، والمكر في الخير مكر حسن دواما .