وفي عبارة :
لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
إيجاز يشير إلى مقالاتهم في هذا الشأن ، بحسب اعتقاد كلّ منهم : هل اليهود أهدى ، أم النصارى أهدى ، أم المجوس أهدى .
أَهْدى :
أفعل تفضيل ، أي : أكثر هداية والتزاما بالحق ، وبشرائع اللّه وأحكامه من إحدى الأمم .
. . . فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً
( 42 ) :
أي : فلمّا جاءهم الرسول المبلغ عن ربّه ، والمعلّم الناصح الأمين ، والمرشد إلى صراط النّجاة والسعادة العاجلة والآجلة ، والبشير النذير محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لم يبرّوا بقسمهم ، وكان المترقّب منهم بحسب قسمهم المؤكّد المشدّد أن يزدادوا ببعثته اقترابا من الحقّ الرّبّانيّ ، وأن يزدادوا اهتداء إلى رحاب النّور وصراط الهدى ، لكنّهم في واقع حالهم لم يزدادوا إلّا نفورا من الحقّ والخير والهدى ، ونفورا من الدّين الرّبّانيّ الحقّ .
النّفور : هو الإعراض والصّدّ والابتعاد كحالة المذعور الخائف الشارد ، أو كحالة الممتنع المتراجع بحران .
لقد كانوا نافرين عن اتّباع دين اللّه ، إذ كان بإمكانهم أن يستجيبوا لدعاة النّصارى ، الّذين كانوا قبل بعثة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، يدعون إلى اللّه على بصيرة وهدى ، دعوة ليس فيها شرك ولا تحريف في دين اللّه ، لكنّهم نفروا ، فلم يستجيبوا ، فلمّا بعث اللّه رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالحقّ ازدادوا نفورا عن دين اللّه ، وازدادوا تمسّكا بشركياتهم .
لقد كان المفروض فيهم بالنّظر إلى ما حلفوه من أيمان مغلّظة ، أن تزيد معرفتهم للحقّ الرّبّاني ، وأن يزداد ميلهم إلى الاستجابة لدين اللّه ، وأن يتّبعوا رسول اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم .
لكن كان منهم ضدّ ذلك تماما ، فقد ازدادوا نفورا .