القسم : هو الحلف بمعظّم عند المقسم ، يقال لغة : أقسم باللّه ، أي : حلف باسم اللّه موثّقا بحلفه خبرا أخبر به ، أو وعدا وعده ، وألزم نفسه باليمين أن يفي به .
جَهْدَ أَيْمانِهِمْ :
أي : أبلغ أيمانهم ، وآكدها ، وأجمعها للعبارات .
الجهد : في اللّغة ، الجدّ والاجتهاد ، وبذل أقصى الطّاقة ، ويطلق على تقديم غاية ما عند الإنسان من شيء ، فبذل غاية ما يملك من مال ، يقال فيه : جهد المال ، أي : غايته وأقصاه . وجهد القوّة : أي : غاية ما لدى الإنسان من قوّة ، وبذل ذلك يوقع في المشقّة والإعياء .
وجهد الأيمان : غاية ما لدى الإنسان منها .
*
لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ؛
أي : لئن جاءهم رسول صادق يبلّغ عن ربّه ما أنزل اللّه عليه ، فعلّمهم وبيّن لهم وبشّرهم وأنذرهم لآمنوا به ، ولا تّبعوا ما أنزل اللّه عليه من شرائع وأحكام ، ولكانوا أهدى من إحدى الأمم الّتي بعث اللّه لها رسولا ، وأنزل عليه كتابا ، وفي عبارتهم إلماح إلى اليهود والنّصارى ، وقد ظهر لي أنّ بعضهم قال :
لنكوننّ أهدى من النصارى . وبعضهم قال : لنكوننّ أهدى من اليهود ، بحسب اعتقاد كلّ منهم في اليهود أو في النصارى .
جاء في هذا البيان التعبير عن الرّسول المبلّغ المعلّم المبشّر المنذر ، بعبارة
نَذِيرٌ
إيجازا في العبارة ، لأنّ الإنذار بعذاب اللّه ، على رفض الاستجابة لدعوة الرّسول ، تكون عادة كما سبق شرحه عدّة مرّات ، في آخر المراحل الدّعويّة ، فهو يدلّ باللّزوم الفكريّ على كلّ المراحل الّتي تسبقه من التبليغ ، والتعليم ، والتّذكير ، والنّصّح ، والجدال بالّتي هي أحسن ، والإرشاد بأحكم الوسائل ، والبشارة ، وغير ذلك من الوسائل الدّعوّية .