قول اللّه عزّ وجل :
* إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
( 41 ) .
تمهيد :
بعد إسقاط شرك المشركين ، وبيان بطلانه جملة وتفصيلا ، كان من المناسب بيان حقيقة اعتماد الكون كلّه في وجوده أوّلا ، وفي بقائه مع تتابع الأزمان وتواليها ، على ربوبيّة اللّه وحده لا شريك له ، وعلى هيمنته عليه ، وسلطانه الدّائم ، الّذي لا ينقطع أقلّ زمن يمكن أن تقسّم الثانية الواحدة فيه إلى عشرات المليارات ، بحساب سرعات الأشياء في الوجود ، والتي تجتاز فيها مسافات في أبعاد الكون .
إنّ الكون الّذي منه السّماوات والأرض ، وما فيهما ، ومن فيهما ، ومنه العرش والكرسيّ وسدرة المنتهى ، لم يكن له وجود ، إذ أصله العدم ، ووجوده ممكن عقلا غير مستحيل ، هو بالبرهان العقليّ يحتاج إلى موجد أزليّ أبديّ يوجده بقدرته ، على وفق علمه وإرادته وحكمته ، وإيجاده يتمّ بأمر التكوين منه ، بعد إبرام قضائه وقدره بشأنه .
وهذا الأزليّ الأبديّ واحد أحد لا شريك له ، وهو اللّه الخالق الرّبّ القادر على الإيجاد ابتداء ، وعلى الإمداد بالبقاء دواما .
ومعلوم أنّ الإيجاد ابتداء يحتاج إلى خلق إبداعيّ ، وقد دلّ برهان العقل على أنّ الواحد الأحد الأزليّ الأبديّ هو بديع السّماوات والأرض ، أي : خالقهما خلقا إبداعيّا على غير مثال سبق ، فهو مبدعهما ، ولهذا جاء من صفات اللّه جلّ جلاله في القرآن المجيد : أنّه بديع السّماوات والأرض ، أي : مبدعهما على غير مثال سبق .