التدبر :
إنّ التعليم الجدليّ الّذي اشتملت عليه هذه الآية قد جاء مفصّلا ومقسّما إلى ثلاث مراحل :
المرحلة الأولى : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ . . . .
دلّ هذا البيان على أنّ من الحكمة في مناظرة المشركين البدء بسؤالهم عن ربوبيّة شركائهم ، فإن كانت لهم ربوبيّة ما ، استحقّوا بها أن يكونوا آلهة تعبد من دون اللّه ، وإذا لم تكن لهم ربوبيّة ما ، فعبادتهم لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرّا ، فهي عمل باطل ، وهي ظلم عظيم لحقّ الخالق الرّبّ الذي يجب أن يعبد ، لأنّه هو الرّبّ المالك لعبيده ، ويجب أن يفرد وحده بالعبادة ، إذ لا يشاركه في ربوبيّته للكون أحد .
والمناظر السّائل المؤمن بربّه وبأنه لا شريك له في الرّبوبيّة ، يطرح السّؤال التالي على المشركين :
إن كانت آلهتكم الذين تدعون من دون اللّه شركاء اللّه في ربوبيّته في الأرض ، فأروني ماذا خلقوا من الأرض .
أي : أروني رؤيا بصريّة ، أو رؤيا فكريّة ، شيئا ما . - أيّ شيء - من الأرض الّتي هم يسكنونها ، ويستمتعون بخيراتها ، وهذا الشيء قد خلقه شركاؤهم ، حتّى يكون ذلك مثبتا لها شيئا من الرّبوبيّة ، الّتي تستحقّ بها أن تعبد عبادة ما ، فتكون مشاركة للّه في إلهيّته .
لكنّ المشركين لا يستطيعون أن يأتوا بشيء من الأرض مثبتين أنّه ممّا خلقه شركاؤهم ، جبلا ، أو واديا ، أو أرضا منبسطة ، أو بحرا ، أو شجرا ، أو رزقا ما ، أو غير ذلك من الأشياء غير ذات الحياة ، أو حيّا من الأحياء بعوضة فما فوقها من الأحياء ، أو فما دون البعوضة كوحيد