هذه الفرصة ، عسى أن يكون لهم وضع آخر غير الوضع السّابق ، الذي كانوا عليه في الحياة الدّنيا ، فيؤمنوا إيمانا صحيحا صالحا ، ويسلموا إسلاما صحيحا صادقا ، ويعلموا عملا صالحا يدلّ على صدق إيمانهم وإسلامهم ؟ !
وجاء دفع هذا الإشكال ببيان أنّ اللّه عالم غيب السماوات والأرض ، وأنّه عليم بذات الصّدور ، أي : عليم بالنّيّات والسرائر صاحبة الاستقرار في الصّدور داخل النفوس ، ويشمل ما في الصّدور ما في القلوب ، وما في الأفئدة ، الّتي هي أعمق في داخل دوائر النّفوس في الصّدور ، فهي فيها حتما .
أي : فلو علم اللّه في صدورهم خيرا قابلا لتغيير أحوالهم ، وتغيير أوضاعهم ، إذا أعاد امتحانهم إعادة مشابهة لظروف ولشروط الامتحان الّذي كانوا فيه ، لاستجاب لطلبهم ، لكنّهم لو ردّوا إلى مثل أحوالهم الّتي كانوا عليها في الحياة الدّنيا ، لعادوا إلى مثل ما كانوا عليه ، من كفر وعناد وجحود وسوء عمل وجرائم ، ولو كرّر اللّه لهم هذه الإعادة مرّات لا حصر لها .
إذن : فإعادة امتحانهم لا تفيد شيئا ، ولا تغيّر من أمورهم شيئا ، وتكون صورة من صور العبث .
وفي تحليل هذه الحقيقة أقول مكرّرا :
إنّ إعادة امتحانهم مرّة أخرى تستدعي إيجادهم في أحوال وظروف مطابقة تماما لأحوالهم وظروفهم الّتي كانوا عليها في رحلة الامتحان الأولى ، وأوّلها وأولاها بالعناية أن يمسح من ذاكراتهم ما شهدوه من عذاب في نار جهنّم على كفرهم وجحودهم وسوء عملهم في امتحانهم الأول ، وأن يمسح من ذاكراتهم كلّ ما شهدوه من أحداث البعث ويوم
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 202
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٠٢