ولا تختصّ هذه الأمّة بقوم دون قوم ، ولا بشعب دون شعب ، ولا بأهل لسان دون أهل لسان آخر ، بل كلّ من آمن بهذا الدّين إيمانا صحيحا صادقا لا شائبة تشوبه ، فهو من هذه الأمّة المصطفاة في مجموعها ، لا في جميع أفرادها ، هو من الأمّة الوارثة لكتاب اللّه ، وفق الصيغة الختاميّة ، المنزّلة قرآنا عربيا مبينا ، على رسول اللّه محمّد ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، صلوات اللّه وسلاماته عليهم أجمعين .
فالمؤمنون المسلمون من كلّ شعب ، ومن كلّ أمّة ، ومن كلّ لسان ، ومن كلّ لون ، هم الوارثون للقرآن ، آخر كتاب اللّه المنزلة وخاتمها .
التدبّر :
قول اللّه تعالى :
*
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا . . .
( 32 ) :
جاء العطف بحرف العطف
ثُمَّ
الدّالّ على الترتيب مع التراخي معبّرا عن الواقع ، لأنّ الأمّة المحمّديّة الوارثة لكتاب اللّه ، قد جاءت بعد أزمان مديدة تتابعت فيها الأمم ، الّتي أنزل اللّه على رسلهم زبرا وكتبا فيها هدى ونور .
أَوْرَثْنَا الْكِتابَ :
أي : جعلناهم يرثون الكتاب المنزّل وفق صيغته الختاميّة التامّة الكاملة .
ورث المال أو الشيء : أي : صار هو المالك له ، أو الحائز عليه ، أو المتصرّف فيه ، أو صاحب السّلطان عليه ، بعد من كان له ذلك قبله .
الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا :
هم الأمّة المحمّديّة الّتي آمنت به ، واتّبعته ، في مجموعها لا في جميع أفرادها ، وقد يكون المراد حملة الرّسالة الرّبّانيّة منهم بصدق ، الّذين لا يضرّهم من خالفهم ، ويبقون ظاهرين على الحقّ ، أو هؤلاء هم الأئمة فيهم .