وروى البخاري ومسلام وأحمد عن معاوية ، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تزال طائفة من أمّتي قائمة بأمر اللّه ، لا يضرّهم من خذلهم ، ولا من خالفهم ، حتّى يأتي أمر اللّه ، وهم ظاهرون على النّاس » .
أقول : المراد بظهور هذه الطّائفة جرأتها في إعلان الحقّ وعدم موافقتها على انتشار الباطل والدّعوة إليه ، وانتصارها لدين اللّه ، والمجاهدة في تبليغه ما استطاعت إلى ذلك سبيلا .
ويدلّ على أنّ المراد وجود هؤلاء المصطفين في أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنّه ليس المراد اصطفاء كلّ فرد من أفراد هذه الأمّة المسلمين ، قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( فاطر ) :
*
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ . . . .
( 32 )
فأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ هذه الأمّة المحمّديّة المسلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام كبرى ، وأفراد كلّ قسم من هذه الأقسام متفاضلون فيما بينهم :
القسم الأدنى وهم الأكثر عددا : دلّ عليهم قول اللّه تعالى :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ :
أي : ظالم لنفسه بالمعاصي والمخالفات وارتكاب كبائر الذّنوب والآثام .
وكلّ فرد من أفراد هذا القسم صحّ إيمانه وإسلامه ، ولكنّه ظلم نفسه ، وأسرف عليها ، باقتراف المعاصي والآثام ، وارتكاب الكبائر التي نهى اللّه عنها نهيا مقرونا بتحذير شديد ، وقد رتّب عليها عقابا أليما .
وأفراد هذا القسم ، الظالمون لأنفسهم ، والمسرفون عليها ، يتنازلون في دركات هابطات عن سقف مرتبة التقوى .
وهذه الدّركات لا يحصي عددها إلّا اللّه جلّ جلاله ، ومن شاء تبارك وتعالى أن يعلّمه من ملائكته أو رسله .