تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨

تمهيد :

سبق في الآية ( 4 ) من هذه السّورة قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ .
( 4 ) ويتساءل المتفكّر قائلا : ما الدّاعي لإعادة هذه القضية في السّورة نفسها ؟ ! أقول : بالتأمّل في النّصّين يكتشف المتدبّر ، أنّ الآية ( 4 ) جاءت لتربية الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بشأن تكذيب كبراء قومه له ، وهذه التربية تعتمد على بيان أنّ رسلا كثيرين سابقين قد كذّبوا من قبل الأمم الّتي أرسلوا إليها ، فتعرّض خاتم المرسلين للتّكذيب ليس بدعا في الرّسل ، وعليه أن يصبر مثلما صبروا ، وأن يتحمّل الأذى مثلما تحمّلوا ، متأسّيا بأولي العزم منهم ، وعليه أن يتوكّل على ربّه في أموره كلّها ، وأن يفوّض كلّ أمره إليه ، كما فعل الرّسل من قبله ، موقنا بأنّ إلى اللّه وحده ترجع الأمور كلّها . أي : وبما أنّ الأمر كذلك فإنّ ربّك الّذي أرسلك لن يضيّعك ، وهو معك دواما . أمّا الآيتان ( 25 و 26 ) فقد جيء بهما لتهديد مكذّبي الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، من الّذين بلّغهم رسالة ربّه ، ووصلوا إلى حالة ميؤوس من إصلاحهم معها عن طريق إراداتهم الحرّة . ولهذا جاء فيهما بعض تفصيل لتكذيبهم ، وبيان لمعاقبتهم بالإهلاك الشامل ، حينما أمست حالتهم حالة ميؤوسا منها . ويستفاد من بيان هذه الحقيقة التاريخيّة ، الّتي سلفت في تاريخ الناس ، مع ملاحظة أنّ سنّة اللّه في عباده واحدة ، أنّ مكذّبي الرّسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من قومه ، يعرّضون أنفسهم لمعاقبة اللّه لهم بالإهلاك الشامل ،