تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
أي : فمن وصل إلى حالة تشبه حالة الميّت المقبور ، الّذي صار ميؤوسا من إسماعه بيانات الدّعوة إلى اللّه إسماعا مؤثرا في نفسه ، فلا تطمع بإسماعه ، واشتغل بدعوة من لم يصلوا إلى حالة ميؤوس منها ، لأنّك لا تستطيع أن توصل الإسماع إلى مراكز الإدراك فيهم بالجبر ، وقد جعلهم اللّه ذوي إرادات حرّات مختارات بأصل تكوينهم الفطريّ ، وقد وصلوا باختياراتهم الحرّة إلى دركة المقبورين ، بعد موت كياناتهم الداخليّة بالكفر بالحقّ . إنّ الذي يستطيع إيصال الإسماع إلى مراكز الإدراك بالجبر هو اللّه القادر على تحويل طبائع النفوس وتغييرها ، وجعلها مجبورة غير مختارة ، لكنّ اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - ليس من حكمته أن يشاء لعباده الممتحنين المخيّرين ليكشف أيّهم أحسن عملا ، فيجعلهم مجبورين ، إذ المجبور لا اختيار له ، فلا يوضع موضع الامتحان ، ولو كان كذلك لم يكن مسوقا يوم الدّين للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، وهذا نقض لأصل حكمة وضع العباد المكلّفين موضع الامتحان ، ومعلوم أنّ مشيئات اللّه لا تتناقض . * قول اللّه تعالى خطابا لرسوله :
إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ
( 23 ) : بعد الإشعار بأنّ المعنيّين الأولين بالمعالجة في السورة ، وهم كبراء مشركي مكّة إبّان التنزيل ، قد وصلوا إلى حالة ميؤوس منها ، فهم كالموتى المقبورين ، أبان اللّه لرسوله أنّ وظيفته الأخيرة ، بالنّسبة إليهم مقصورة على إنذارهم بعذاب اللّه وعقابه ونقمته يوم الدّين ، مع ما قد ينزل بهم من عذاب معجّل . أي : ما أنت بالنّسبة إلى هؤلاء إلّا نذير ، أي : منذر توجّه لهم الإنذار بعذاب اللّه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 135 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني