التربوية عند المناسبة الملائمة أن يوجّه اللّه لرسوله بشأن الذين وصلت حالة نفوسهم إلى دركة الموت المجازيّ ، بالكفر الذي يطمس البصيرة ، فيجعلها لا تبصر آيات اللّه في كونه ، ولا تسمع البيانات الدّاعيات إلى الحقّ والهدى ، مهما اتّخذ الدّاعي لإسماعها من وسائل وأسباب ، ما يلي :
إنّ من وصلت حالة نفوسهم إلى مثل حالة من في القبور ، فإنّه لا فائدة من تكرير الاشتغال بدعوتهم ، وإضاعة الأوقات في معالجاتهم ، بغية إصلاحهم عن طريق إراداتهم الحرّة .
فالدّاعي إلى اللّه ليس أكثر من مبلّغ ، يبلّغ ما أمره اللّه بتبليغه لذوي الإرادات الحرّة . الّذين أعطاهم اللّه إراداتهم الحرّة المختارة ليبلوهم فيما آتاهم ، وليس الداعي إلى اللّه مجبرا ولا محوّلا بالإكراه .
أمّا القادر على الجبر ، بتغيير طبائع النفوس ، فهو الرّبّ الخالق جلّ جلاله :
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ
بتغيير طبيعة تكوينه ، وجعله مجبورا لا مختارا .
لكنه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - لا يجعل عباده مجبورين ، بعد أن تمّت مشيئته بأن يجعلهم مخيّرين ، ليمتحنهم بالتكاليف الّتي يجب عليهم أن يلتزموا بها من خلال اختيارهم الحرّ ، لا من خلال الجبر الّذي تجبل عليه طبائع نفوسهم ، فهم لا يملكون القدرة على الخروج عن نظامها .
هذا البيان الذي عرضته عرضا تحليليا مطوّلا ، قد جاء التعبير عنه في الآية ( 22 ) بعبارة وجيزة بديعة ، خطابا من اللّه لرسوله ، فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته بأسلوب الخطاب الإفرادي فقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ .
عقب قوله تعالى :
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ .