القضيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ :
بمناسبة الإلماح إلى المكذّبين المعاندين المصرّين على كفرهم ، في القضيّتين الأولى والثانية ، جاءت هذه القضيّة مشتملة على تربية الرّسول في موضوع دعوته للّذين وصلوا في كفرهم إلى دركة ميؤوس من إصلاحهم معها ، عن طريق إراداتهم الحرّة .
ويلحق بالرّسول حملة رسالته إلى النّاس من أمّته .
الإنذار هنا : هو الإخبار بما أعدّ اللّه للكافرين يوم الدّين من عذاب أليم خالد في نار جهنم ، مع ما يمكن أن يعاقبهم به اللّه في الحياة الدّنيا .
والحصر في عبارة
إِنَّما تُنْذِرُ
خطابا للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يراد به حصر فائدة الإنذار ، وتأثيره في الّذين يوجّه لهم .
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ :
أي : يخافون عقاب ربّهم خوفا مصحوبا بتعظيم وإجلال ومهابة .
بِالْغَيْبِ :
أي : حالة كونه محجوبا عن حواسّهم الظاهرة ، مستورا بالغيب ، إلّا أنّه معلوم الوجود وبعض الصّفات العظمى له ، بالفكر وأدوات الإدراك في العقل ، وفي هذا إلماح إلى أنّ تأسيس الإيمان بالإقناع يجب أن يكون قبل الترغيب والترهيب والإنذار .
وَأَقامُوا الصَّلاةَ :
ودفعهم إيمانهم به إلى إقامة الصلاة له ، ولو من مستوى أدنى الحدود المعبّرة عن صحّة الإيمان بالرّبّ جلّ جلاله ، ولو لم يستكملوا الإيمان بسائر ما يجب أن يؤمنوا به من أركانه .
فالمعنى : ولا تطمع في أن ينفع إنذارك الّذي تنذر به ، مخوّفا من عذاب اللّه ونقمته ، إلّا الّذين آمنوا بربّهم إيمانا صحيحا ، وهو غيب عن